إبراهيم بن يوسف المالك
عندما نتحدث عن التحولات الاقتصادية، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى الشركات العملاقة أو المشاريع الضخمة التي تقودها الحكومات. لكن الحقيقة أن العمود الفقري لأي اقتصاد حيوي ومرن يكمن في الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة. هذه المنشآت ليست مجرد مصدر لفرص العمل فحسب، بل هي أيضًا محرك للإبداع، ورافد للتنوع، وعامل أساسي في زيادة الناتج المحلي.
ومع ذلك، فإن طريق هذه الشركات محفوف بالعقبات، وعلى رأسها مسألة التمويل. تبدأ التحديات من الخطوة الأولى في فتح حساب مصرفي تجاري، مرورًا بالحصول على تسهيلات ائتمانية أو قروض تشغيلية، وصولًا إلى النفاذ لرؤوس الأموال الاستثمارية. ورغم أن كثيرًا من البنوك تعلن عن برامج دعم وتمويل، إلا أن الشروط غالبًا ما تكون تعجيزية، والإجراءات معقدة، ما يؤدي إلى إضعاف روح المبادرة وإجهاض الابتكار في بداياته.
على المستوى العالمي، هناك تجارب رائدة تستحق الإشارة. ففي سنغافورة، تم تطوير أنظمة رقمية متكاملة مدعومة بضمانات حكومية، تسمح للشركات الصغيرة بالوصول إلى التمويل بسهولة ومرونة. أما في دبي، فقد تم بناء منظومة متكاملة تربط بين الهيئات التنظيمية والبنوك ومنصات التكنولوجيا المالية، ما جعل الحصول على التمويل أكثر سرعة وشفافية. هذه النماذج الناجحة أثبتت أن الأمر ليس مجرد ضخ أموال، بل يتعلق بخلق بيئة ثقة، وتبني سياسات مرنة، وتقدير الدور المحوري لهذه الشركات في دعم الاقتصاد الوطني.
الحل إذن لا يحتاج إلى تعقيد. المطلوب هو تبسيط رحلة الشركات مع القطاع المالي منذ اللحظة الأولى: من فتح الحسابات المصرفية وحتى الحصول على التسهيلات التمويلية. يجب أن تُصمم الإجراءات لتُمكّن لا لتعوق، وأن تكون الشروط واقعية بعيدة عن التعجيز، مع اعتماد بوابات رقمية موحدة وسياسات رقمية أولًا.
في النهاية، دعم الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة ليس منّة، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل الاقتصاد، وضمانة لاستدامة النمو، وتحقيق التنوع والابتكار الذي تحتاجه كل دولة لتبقى قادرة على المنافسة.