عصام بن عبدالله الفريح
تُعدّ لغة الإشارة إحدى أهم الوسائل التواصلية لمجتمع الصم وضعاف السمع، وهي نظام بصري - حركي متكامل قائم على حركات اليدين وتعابير الوجه والإيماءات الجسدية. ولغة الإشارة ليست بديلة ناقصة للغة المنطوقة، بل لغة طبيعية مكتملة لها قواعدها الخاصة.
يهدف هذا البحث إلى استعراض تاريخ تطور لغة الإشارة منذ بداياتها وحتى العصر الحديث، مع التركيز على محطاتها الرئيسية في التربية والاعتراف الأكاديمي.
أولاً: البدايات التاريخية:
تشير الشواهد القديمة إلى أن الصم كانوا يتواصلون بالإشارة منذ العصور اليونانية والرومانية، فقد أشار أفلاطون في محاوراته إلى إمكانية تواصل الأشخاص عبر الإيماءات عند غياب النطق، كما عرف الرومان بعض أساليب التواصل اليدوي. ورغم بساطة هذه الإشارات، فإنها شكلت اللبنة الأولى لنظام تواصل خاص بالصم.
ثانياً: العصور الوسطى:
في أوروبا العصور الوسطى، استخدمت بعض الأديرة أنظمة إشارية خاصة بالرهبان أثناء فترات الصمت، مما أثبت أن الإيماءات قادرة على التعبير عن أفكار معقدة. ومع ذلك، لم تُطوَّر هذه الأنظمة لتصبح لغة مستقلة، بل بقيت محصورة في السياق الديني.
ثالثاً: الانطلاقة التربوية (القرن السادس عشر - الثامن عشر):
* بيدرو بونس دي ليون (1520-1584): راهب إسباني قام بأول محاولة منهجية لتعليم الصم عبر الإشارات.
* خوان بابلو بونيت (1573-1633): نشر كتاباً يصف أبجدية يدوية لتعليم النطق والكتابة.
* شارل ميشيل دو لابي (1712-1789): أسس أول مدرسة للصم في باريس (1771) واعتمد على إشارات الصم المحليين، مما أدى إلى نشوء اللغة الفرنسية للإشارة.
رابعاً: القرن التاسع عشر وانتشار لغات الإشارة:
شهد القرن التاسع عشر نقلة نوعية في تعليم الصم، خاصة مع انتشار المدارس في أوروبا وأمريكا. وقد أسهمت جهود توماس هوبكنز جالوديت في تأسيس أول مدرسة للصم بالولايات المتحدة عام 1817، الأمر الذي ساعد على نشوء اللغة الأمريكية للإشارة (ASL). لكن في المقابل، واجهت لغات الإشارة تحديات كبيرة بعد مؤتمر ميلان (1880) الذي أوصى بتفضيل التعليم الشفوي على الإشارة، ما أدى إلى تهميشها في المؤسسات التعليمية لعدة عقود.
خامساً: القرن العشرون والاعتراف الأكاديمي:
أثبت اللغوي الأمريكي ويليام ستوكي في ستينيات القرن العشرين أن لغة الإشارة الأمريكية لغة طبيعية ذات نحو وصرف خاص، مما غيّر النظرة إليها علمياً. وفي العقود اللاحقة، ظهرت دراسات مقارنة بين لغات الإشارة حول العالم، مثل:
* اللغة البريطانية للإشارة (BSL)
* اللغة اليابانية للإشارة (JSL)
* اللغة العربية للإشارة (ArSL)
وبحلول أواخر القرن العشرين، بدأت دول عدة بالاعتراف بلغات الإشارة كلغات رسمية أو وطنية.
ختاماً:
يُظهر تاريخ لغة الإشارة مسيرة طويلة من التهميش والاعتراف.
فمن إشارات بدائية في العصور القديمة، إلى محاولات تربوية في أوروبا، وصولاً إلى الاعتراف الأكاديمي والقانوني المعاصر، أثبتت لغة الإشارة أنها لغة كاملة تمثل هوية ثقافية وإنسانية لمجتمع الصم. إن دراسة هذا التاريخ لا تكشف فقط عن تطور وسيلة تواصل، بل أيضاً عن صراع مجتمع كامل من أجل الاعتراف بحقوقه اللغوية والثقافية.