محمد نديم أنجم بيديا
إن للوجود حقيقة محتومة فحواها أن للدهر فيه مدا وجزرا، وللأيام رقدة وهبَّة، وللساعات وثبة وكمنة، وكل شيء له مصدر ومورد، انخفاض وارتفاع، عوم وغوص، ترادف وتضاد، فتأرجح بندول الساعة إلى اليمين مقدار تأرجحها إلى اليسار، ويتجلى هذا الانسجام الكوني في جل ظواهر الوجود لا محالة.ينطبق هذا المبدأ على أفول نجوم الممالك وبزوغها ونهوض عروش الأمم وهبوطها حتى على مجمل قصص حياة البشر وما يعلق بما يجول في باله من هواجس، فينقلب المولد وفاة ويحول النشاط خمولا وينثني الغسق فلقا وينهار الشباب هرما، فحياة الوجود ترحل مراحل الميلاد والطفولة والمراهقة والشباب، فالكهولة والموت الذي تتوارثه المواليد الجديدة.
فلا يعدو هذا التناغم الحركي كونه مجرد تأرجح البندول الذي لا يقر له قرار ولا تُحطّ له رحال، بل هو دوما يتمايل ذهابا وإيابا بشكل دوري، فتطوف كافة الجزئيات مطافها وتجوب جميع الكائنات وهادها دراكا دون انقطاع، كلها تضرب بسهم في التناغم الكوني، فمن هذه الوجهة تنسحب هذه القاعدة الكونية على جميع أنواع النشاط البشري، من حيث أصبحت حياة الإنسان في حالة مد وجزر. ولا غرو فإن الإنسان من حين لآخر ينقضّ على حبائل هذه النغمات الكونية، إذ فترات من الحماسة ربما تتبعها لحظات من البرودة، وحالات من البسالة قد تعقبها برهات من الجبانة، وهذا ينطبق علينا قاطبة في أغلب الأحيان حيث تتلاطم أمواج العواطف في بحر وجداننا وتتماسك على السواء بالمقابل. على أن القبض على نشاطية هذا المبدأ يورثنا مفتاح فك أغلال جفاف ألبابنا. يقضي حكم القدر بأن الأعمار تُرهن المصارع والحياة طورا من أطوار الموجود، فمن اختبر مبادئها ومصائرها واستنبط معانيها فلم يصحب دهره على غفلة ولم يتراخ عن أقداره بفترة، من حيث لا تجلّ عليه الخطوب إذا اغتالت، ولا يأمن الرغادة وإن طالت، فإن للإنسان، ما دام في مضمار الحياة، التيقن بأن حياة النفوس هي مد وجزر، قرب وبعد، وصال وفراق، خضار ويباس، تفاؤل وتشاؤم وبالتالي وجود وعدم. فمن فوجئ بهذه الأعجوبة الإلهية وتمرن على صيرورتها واختزن منها خبرات في كنز حياته فقد قطع أشواطا بعيدة في عمران النفس وثرائها في حين يتأتى له تخفيف حدة التأرجح الشعوري وشكيمته بفضل احتضان عملية الحياد العاطفي وتفهّم أحاجي هذا التكافؤ الكوني فيما قال، عزّ من قائل: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}، كما لم يغب هذا التناغم عن بال المتنبي فأولاه عناية فائقة، إذ قال:
«لا أشرئب إلى ما لم يفت طمعاً
ولا أبيت على ما فات حسرانا»
** **
جامعة جواهر لال نهرو - دلهي، الهند