محمد الخيبري
في الوقت الذي تشرق فيه شمس الكرة السعودية على أرجاء المعمورة، وتتحول فيه ملاعبنا إلى «مسارح عالمية» تحتضن صفوة عباقرة كرة القدم في عصرنا الحديث، وبينما يلهث الإعلام الدولي خلف صفقاتنا المليارية ومنجزاتنا الرياضية التي تسابق الزمن.
في هذا الوقت بالذات، تقف الصافرة السعودية وحيدة تحت مقصلة النقد، تائهة في دهاليز الأخطاء الكارثية، وكأنها جسد غريب في منظومة بلغت عنان السماء في كل شيء، إلا في عدالة الميدان.
أطلال المونديال.. حين كان الحكم سفيراً فوق العادة ،وحين نعود بذاكرتنا إلى الوراء، لا نفعل ذلك من أجل التباكي على الأطلال، بل لنفتش عن الوصفة السرية التي ضاعت في زحام الملايين.
ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت الإمكانيات شحيحة، والموارد محدودة، لكن الهيبة كانت حاضرة. نتساءل بمرارة: كيف استطاع القامة فلاج الشنار أن يفرض هيبته في مونديال المكسيك 1986 ويقود مباريات الكبار بثبات؟.
وكيف نجح المونديالي عبدالرحمن الزيد في أن يكون علامة فارقة في سماء فرنسا 1998؟ ومن أين استلهم خليل جلال تلك الشجاعة التي جعلته فخراً للعرب بجنوب إفريقيا 2010؟ لقد كان هؤلاء سفراء فوق العادة للكرة السعودية، لم يحتاجوا إلى طواقم بنصف مليون ريال ليثبتوا جدارتهم، بل كان الضمير المهني والتأسيس السليم هما الوقود الذي أوصلهم إلى قمة الهرم العالمي. فما الذي حدث اليوم؟ ولماذا يعجز جيل «الدعم اللامحدود» عن ملامسة ما حققه جيل «القناعة والاجتهاد»؟.
فاتورة العدالة المستحيلة الباهظة: سؤال المشروعية! وإن ما يثير الدهشة والاستغراب، ويضع اتحاد كرة القدم ورابطة دوري المحترفين في قفص الاتهام الأخلاقي والمالي، هو ذلك القرار الذي يبدو في ظاهره حلاً، وفي باطنه تعجيزاً للأندية؛ ألا وهو رفع قيمة طاقم التحكيم الأجنبي إلى قرابة نصف مليون ريال للمباراة الواحدة.
هل يُعقل أن تُجبر الأندية على دفع «ضريبة» فشل لجان التحكيم في تطوير الحكم المحلي؟. إن هذا الرقم الفلكي لا يتسق مطلقاً مع ميزانيات معظم الأندية، ويحول «العدالة التحكيمية» من حق مشروع إلى سلعة فاخرة لا يقتنيها إلا الأثرياء.
إنه وضع غير منطقي يكرّس مبدأ الفوارق، ويجعل الأندية ذات الموارد المتوسطة فريسة لصافرة محلية لم تجد العناية الكافية، وتفتقر لأبسط معايير المراقبة والمحاسبة الفنية.
ضجيج الملاعب.. وصمت اللجان
بكل تجرد، وهو ما نشاهده في كل جولة من مهزلة تحكيمية وتكرار لأخطاء بدائية لا يمكن قبولها في دوري يطمح ليكون بين العشرة الكبار عالمياً، هو نتيجة طبيعية لغياب «الإستراتيجية الحقيقية» لبناء الحكم.
لقد انشغل المسؤولون بتلميع الواجهة، ونسوا الأساس الذي تقوم عليه عدالة اللعبة.
كيف نبرر للاعب عالمي يتقاضى الملايين، ولجماهير تدفع من قوت يومها لتؤازر فرقها، أن نتيجة مباراة تُحسم بقرار مرتعش أو رؤية قاصرة من حكم محلي لم يجد من يأخذ بيده نحو الاحترافية الحقيقية؟.
إن الهوة بين قيمة اللاعبين في (روشن) وقيمة الحكم الذي يديرهم باتت شاسعة جداً؛ فنحن نملك طائرات «نفاثة» في الهجوم، وصافرة تسير ببطء السلحفاة في اتخاذ القرار.
الصرخة الأخيرة قبل فوات الأوان
إننا لا نهاجم الأشخاص، بل ننتقد «المنظومة» التي خذلت الحكم السعودي قبل أن تخذل الأندية. إن الاستمرار في سياسة المسكنات وجباية الأموال من الأندية مقابل الصافرة الأجنبية هو هروب للأمام. المطلوب اليوم هو ثورة شاملة في قطاع التحكيم، تعيد لنا هيبة (الشنار والزيد وجلال). مطلوب عناية توازي حجم الدعم السخي من قيادتنا الرشيدة، ومحاسبة توازي حجم الأخطاء التي تُرتكب.
يا سادة، الكرة الآن في ملعب اتحاد القدم والرابطة؛ فإما صافرة تليق بعظمة «روشن» وتعيد للعدالة هيبتها، أو استمرار في تخبط سيكتبه التاريخ كـ «نقطة سوداء» في ثوب رياضتنا الناصع. فهل من مجيب؟