فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود
الدكتور الغالي، فقيدنا وفقيد الوطن، محمد بن علي العقلا -رحمه المولى رحمة واسعة- إنسان غمرني بصداقته وصدقه. عرفته شريكاً في هموم العلم والتعلم؛ جمعنا ميدان التعليم؛ إذ كان -يرحمه الله- رئيساً للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بينما كنت أعمل في وزارة التربية والتعليم. كانت المعرفة قاسمنا المشترك، وكانت الدعوة الكريمة من الصديق والمسؤول الذي طور وفتح آفاقا جديدة في جامعة جمعت ممثلي أمتنا الإسلامية طلاباً، ثم خريجين قياديي مستقبل الأمة.
كانت الدعوة شرفاً لي كمسؤول في وزارة التربية والتعليم، وضمن مجموعة (الأغر) للفكر الإستراتيجي في ذي القعدة 1430 الموافق نوفمبر 2009 لرعاية معرض للاختراعات الإسلامية بعنوان (رحلة إلى الماضي لبناء المستقبل الذي نظمته مجموعة الأغر بالتعاون مع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ومعرض (1001: ألف اختراع واختراع) لتسليط الضوء على الإسهامات العلميّة الإسلامية التي أسهمت في تطوير العلوم والمعرفة على مدى سبعة قرون. وقد هدف المعرض إلى التوعية بالتراث الإسلامي وإنجازات واختراعات العلماء المسلمين من القرن السابع حتى السابع عشر الميلادي، وبث روح الابتكار لدى الشباب، وحثهم على العمل الجاد واستلهام العبر من التاريخ الإسلامي وعلمائه من أجل نهضة الأمة الإسلامية وتقدمها. كما سعى إلى ترسيخ مبدأ الإبداع العلمي والتقني بوصفه وسيلة إيجابية لبناء المجتمع المعرفي، مقدماً معلومات وافية عن ابتكارات علماء مسلمين في الطب والعلوم والحساب والفلك وعلوم الطيران. وقد شرفتني الجامعة في تلك الأمسية المعرفية بلقاء الطلبة ومنسوبيها، وتقديم عرض بعنوان (النظرة المستقبلية للتربية والتعليم في عهد خادم الحرمين الشريفين).
أتذكر الأحداث التي سبقت ليلة الافتتاح، وموقف المغفور له -بإذن الله- الدكتور محمد العقلا، رئيس الجامعة حين دخل بنفسه إلى صالة العرض، وطلب إحضار من تسبب في العبث بالمعروضات، واتخذ الإجراءات اللازمة في تلك الليلة، وأمر بإعادة المعروضات إلى أماكنها. فقد رأى بعض إخواننا من الطلبة المتشددين أن عرض مجسمات ترمز -على سبيل المثال- إلى (فاطمة الفهرية) التي وضعت اللبنة الأولى لإحدى أعرق جامعات العالم في مدينة القيروان قبل أن يعرف الغرب مفهوم الجامعات بنحو قرنين من الزمن. وكذلك مجسم (عباس بن فرناس) المخترع والفلكي والكيميائي والشاعر الأندلسي الذي عاش في القرن التاسع الميلادي، واشتهر بمحاولته الأولى للطيران في التاريخ، لا ينبغي أن تعرض بالجامعة، وكان موقفه -رحمه الله- حاسماً، يعكس وعيه العميق برسالة العلم والانفتاح المعرفي.
استمرت علاقتنا لسنوات طويلة، كان -تغمده المولى بواسع رحمته- حاضراً بطيبته وحسن معشره؛ ففي كل زيارة لي للمدينة المنورة، كان أول من يرحب وأول من يفيض بسماحته وكرمه بدعوتنا والأصدقاء لزيارته. مضت الأيام وانتقل إلى مكة المكرمة، وتباعدت المسافات، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي لن أنساه ما حييت؛ حين قررت (ليان الثقافية) نقل معرض (الجمل عبر العصور) احتفاء بعام الجمل من مركز الملك عبدالعزيز التاريخي بأبرق الرغامة بجدة -بسبب غرق المركز الذي آلامنا جميعاً- إلى (مدينة المعرفة) بالمدينة المنورة، ليبقى المعرض دائماً. وقد قدمته (دار ليان الثقافية) للمدينة المنورة وساكنيها تحت مسمى (دعوها فإنها مأمورة).
في تلك الليلة وبعد سنوات طويلة وفي خضم حضور كبير من الأحبة والأصدقاء لافتتاح المعرض، حضر محمد العقلا؛ لا حضور مجاملة أو التزام، بل حضور محبة واحترام لأخوة وعشرة ووفاء جمعتنا بها الأقدار في مسار المعرفة، لم يكن حضوراً عادياً؛ فسبحان الله كان لقاؤنا الأول لافتتاح معرض فني، ولقاؤنا الأخير في افتتاح معرض فني كذلك. والأهم مما سيبقى في الذاكرة ما حييت، أنه حضر دون دعوة أو اتصال، واستقل القطار من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ليحضر ويسلم، ثم يعود في الليلة ذاتها.
وقد أكرمني وشرفني وأكد لي أن الصداقة والمحبة والمودة الصادقة لدى هذه النوعية النادرة من البشر تبقى وتدوم، مهما تباعدت الأماكن أو تعاقبت الأزمنة.
قبل أن أنهي كلماتي، لدي كلمات من القلب أوجهها إلى معالي وزير تعليمنا، والأخوة مدير ومسؤولي جامعتنا الإسلامية، أن مجموعة «الأغر» على استعداد للتعاون مع الجامعة الإسلامية والدعم لإقامة معرض دائم في الجامعة يحاكي معرض (ألف اختراع واختراع) 1001 One Thousand and One Inventions، عن دور العلماء المسلمين في إثراء الحضارة الإنسانية. رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح جنانه وكما قال دكتورنا الفاضل الشيخ سعود الشريم:
رحلت وقد كنت فينا أخاً
صفياً وفياً مع الأصدقاء
وصولاً كريماً حفياً ترى
حليماً ودوداً بهم مشفقا
{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.