دهام بن عواد الدهام
يا بن رخيص كب عنك الزواريب
عمارنا يابن رخيص عواري
خوينا ما نصلبه بالمصاليب
ولا يشتكي منا الجفا والعزاري
- (من كتاب شعراء من الرس)
حين تعرف التضاريس تكبر قيمة المشهد لما يمكن أن تصوره الحالة من وضوح وقيمة الحدث وبما يسجله الشاهد والمشهود وما يمكن تناقله عن الفعل وأطرافه إيمانا بالخوة والنخوة وحفظ الوعد ووفاء والتزام.. خوينا ما نصلبه بالمصاليب ولا يشتكي منا الجفاء والعزازي، قيمة موقف صنعتها الظروف للخوي وسجل التاريخ بالوفاء للصحبة، يتداول الموروث الشعبي هذه الأبيات ومناسبتها حين ألم مرض بصاحبه وعجز عن إكمال المسيرة مع قافلة عائدة من الحج طرح رأي أن يحمل المريض على المصاليب (المصلاب وهي عصيّ الشداد وعصيّ المسامة التي تشد على رؤوسها ويركب عليها، ولكل شداد أربع عصي. والشداد والمسامة مما يستعمل للركوب والحمل على الإبل). مما عز على الخوي هذا المقترح لما فيه من مشقة وعدم تحمل من المريض مما حدا به أن ينهض بنخوته ومروءته أن يبقى مع صاحبه في هذه البرية الموحشة إلى أن يكتب الله له ما يشاء من حياة أو وفاة، وقد تفجرت قريحته وأنشد الأبيات أعلاه وسارت به الركبان مثلا يضرب بالوفاء للخوي والرفيق عند الملمات.
أعود إلى أبطال قصتي لأمتطي صهوة التعبير لأصف قصة نخوة وشهامة كادت أن تغيب في مداهل رمال الصحراء وواحات وادي السرحان لعدم تواجد شمس الإعلام في مجاهل جغرافيا الحدث لولا الوفاء من الأوفياء الذي سجلوا لأبطال هذه القصة منبراً، أبطال قصتنا هذه مع حفظ الألقاب (نزال البيالي السرحاني وحجاج فيصل السهيان الخالدي) من أعيان سكاكا الجوف رحمهما الله.
كان نزال يرتاد (الغربية) الأردن متسببا في تجارة ينقل اليها التمر ويستورد حبوب البلقا أو أرز أو تمن مما تفتقده ديرته سكاكا لأسرته أو تجارة يتكسب منها حجاج الذي سبق أن وصل إلى (الغربية - الأردن) بحثا عن عمل.
ليس هنا من معلومات مؤكدة عن تاريخ وقوع أحداث قصتنا هذه ووفقا للظروف التي كانت تحيط بأبطالها ربما هي في بحر الخمسينيات الهجرية من القرن المنصرم وقت حداثة هذه الدولة الفتية والتي كان الفرد فيها يبحث عن عمل وتكسب حين يطوف بلاد الجوار بحثا عن الرزق والذي أسس لهذه الثقافة (العقيلات) في ترحالهم.
حجاج الخالدي حين وصل إلى (الأزرق في الأردن) أصيب بمرض أقعده عن العمل واشتد به المرض وأصبح يرى نفسه عبئا في بقائه بهذه الحال في غربة ويد خالية وجسم أنهكه المرض، العنصر الآخر في ملحمتنا هذه نزال البيالي ذلك الرجل الشهم الكريم، شاءت إرادة الله أن تنفق راحلته الوسيلة التي كان يجلب على ظهرها بضاعته وحين تجتمع مثل هذه الظروف تكون مشيئة الله هي الموجه (يديرها ديار الافلاك يا حسين)، قادت المشيئة نزال إلى مأوى حجاج طريح الفراش، المشهد لا يحتاج إلى شرح رجل طريح الفراش ورجل فاقد لراحلته وفي ديار غربة وبعد السؤال والاطمئنان عرض نزال على حجاج إذا له لزوم أو حاجه لم يتردد حجاج ولم يكن له في تلك الظروف إلا أمنية أن يعود إلى دياره إن كتب الله له شفاء وألا تكون وفاته بين عشيرته ظنا منه أن نزال يملك وسيلة أو راحله تنقله، لم يتردد نزال لحظة عن تلبية هذا الطلب وبدون نقاش قال له استعد غدا نرحل، غاب نزال وعاد باليوم التالي إلى حجاج وطلب منه النهوض للرحيل..
فرحة حجاج توقفت عند السؤال وين الوسيلة؟ (الراحلة اللي تودينا).. أجاب نزال وبلا تردد وهو يربت على كتفه «يسهلها ربك» (راحلتك ظهري يا بناخي) (كلمة تتداول للتعبير عن القربي) تردد مع ذهول من حجاج لكن المرض يمنعه من النقاش أو الاعتراض.. حمله على ظهره تقوده شهامة ومرؤة إلى بلادهم (المسافة من الأزرق إلى القريات تقريبا 98 كم) وبخطى واثقه دون تململ أو تردد واصلا المسير وقد استراحا في طريقهما استراحة محارب في منطقة اسمها (العمري) قبيل الحدود مع المملكة ثم واصلا المسير إلى القريات مع كل المشاهد التي ترسمها الحالة.
في القريات ساق لهم الله أن أميرها آنذاك عبدالعزيز الأحمد السديري عرف بقصة الرجلين ومنحهما (خرجية، قليل من نقود) وأمر بنقلهما بسيارة الحكومة التي كانت ستتوجه إلى الجوف سكاكا بمهمة، وانطلقت السيارة بهما إلى سكاكا، عادت الظروف تعاند الشهم البيالي حين تعطلت السيارة في منطقة اسمها العيساوية في وادي السرحان (90) كم عن القريات وليس هناك من إمكانيات فورية لإصلاحها وفي منطقة تخلو من السكان فالبادية ليس لهم استقرار وليس هنا أمل بوجود بديل مما يتطلب عدم الانتظار، عاد نزال وحمل رفيقه على ظهره متوجها إلى الجوف سكاكا (وكانا بين الفينة والأخرى يستريحان ويتزودان بقليل من طعام وخاصة عند مرورهما في أماكن تواجد المياه) إلى أن وصلا إلى مركز يدعى الأضارع (221 كم) حين وجدا أحد رجال البادية ومعه راحلة وبعد مفاوضات تم الاتفاق على أجرة الراحلة تقلهما إلى دومة الجندل (30كم تقريبا) واستقلا سفينة الصحراء ومع كل الجهد والتعب الذي عاناه نزال فضل لرفيقه أن يكون على ظهر الراحلة لكن المرض يمنع حجاج من التوازن على ظهرها وقد يؤدي به السقوط وتزيده كسور مضاعفة على حالته المرضية مما حدا بنزال بالركوب على الراحلة واحتواء رفيقه المريض إلى أن وصلا دومة الجندل.
تواصل نزال بمسؤولي الحكومة في دومة الجندل وشرح لهم وضعه ورفيقه المريض اللذين منحاهما ذلولا من ركائب الحكومة توصلهما ويتم تسليمها بعد الوصول لمسئولين في سكاكا، في دومة الجندل وعندما علم صاحب الذلول التي أقلتهما من الأضارع بقصتهما سحب ذلوله ورفض أخذ الأجرة التي كان الاتفاق عليها تأسيا بشهامة هذا الرجل الذي حمل رفيقه كل هذه المسافات، توجها إلى سكاكا وبنفس سابق ترتيبات الركوب يركب المريض ويردفه نزال خوفا من السقوط إلى أن وصلا (مناخه) السهيان حيث أسرة حجاج التي استقبلت الركب بالتهليل والترحيب وتنادت بتكريم نزال بعد أن علمت عن هذه البطولة التي قام بها إلا أنه اعتذر عن أي تكريم وإن ما قام به هو عمل أملاه عليه الواجب والأخوة. تعب الرحلة وحمل المريض على أكتافه وتبعات الحالة المرضية بقى مخلصا في همته ومهمته. هذه المواقف أملت على كثير من الرواة تمجيد هذا الموقف قولا وشعرا، فبعد وفاة نزال رثاه الأمير عبدالرحمن السديري.. ضمن ما قال:
أبو كريم مات والدار حية
اللي خذاه الحق والحق محتوم
مرحوم يالطيب جلابة خويه
دنياك مادامت لغيرك ولا تدوم
ويقول آخر (لم أتمكن من معرفه اسمه:
خويه اللي طاح شاله وجابه
خمسة عشر يوم على المتن له شال
جابه من الأردن تحمل عذابه
عادات من عادات حمال الاثقال
وينشد الشاعر حسن سمير المخلفي يقول:
مثل البليهي ثار والحمل زايد
ينقل خويه فوق متنه مع الريد
من حد الأزرق ما وضع له وسايد
شاله بحر القيض كنه بتبريد
ويقول زياد المظهور:
اهل قولت أبشر بي ل صوت المظهود
واهل وقفه لا كبرت القاله
أبو كريم يوم ضاقت على الملهود
تزهل بمواقيف الشرف والفخر ناله
مشى بالخوي من شرق الأردن وداس الكود
لجل نادر ما تورد الجمه حباله
نسوق هذه العظمة القصصية عنوانا للوفاء والمروءة والمرجلة التي تسرى في دم أهلها وتغوص في عروقهم ثمارها باسقة تتطاول عالية مثل نخلة الحلوة عروس النخيل تسجل للأجيال مكارم الرجال ونخوة الأبطال رحمهما الله، فقد جمعتهما الظروف ليسطر لنا نزال البيالي صفحة من صفحات البطولة والنخوة والشجاعة، لم يترك صاحبة على مصاليب ولا حتى على سرير وفير في ديار غربة.
اليوم بعيش رغيد وأمن وأمان واستقرار نعيشها في بلادنا بفضل حكمة وحنكة قيادتنا -حفظهم الله- ونسطر هذه القصص من الماضي، حمداً لله وشكراً على ما أنعم به على بلادنا وعبرة للأجيال بشكر النعم وبشكرها تدوم.