رمضان جريدي العنزي
قال الشاعر:
أوغل في التطفل من ذباب
على طعام وعلى شراب
لو بصرت أرغفة في سحاب
لطرت في الجو بلا حجاب
إن الطفيليين لهم سلوك وطابع مغاير، يتطفلون على الناس شؤونهم وأسرارهم، ويحاولون معرفة كل شيء عنهم، تراهم في المجالس والمكاتب والمناسبات يتلصصون ويستمعون إلى ما يحكي، بل ويسألون من دون حرج عن شؤون الناس ومرامهم ومطامحم وآمالهم ومبتغياتهم ومشاريعهم وقضاياهم؟ يسألون أسئلة تبدو بريئة لكنها في الحقيقة والواقع تستهدف استخراج معلومات شخصية أو سرية، وقد يستغلون ما حصلوا عليه من أسرار للابتزاز والاستثمار، وهذا النوع من التطفل أشد خطراً وأنكى جرحاً من طفيليي العرائس والولائم، وأشد تأثيراً مرضياً من الطفيليات الداخلية (الديدان) والخارجية (القراد)، لهم فضول مرضي تجاه حياة الآخرين، ليس من باب الاهتمام، بل من باب التحكم أو الشعور بالتفوق أو ملء الفراغ الداخلي، غالباً ما يجمع هؤلاء المعلومات ثم يستخدمونها إما للنميمة، أو الإبتزاز العاطفي، أو حتى تشويه السمعة.
أخطر ما في هؤلاء أنهم يبدون مهتمين وطيبين في البداية فتفتح لهم الأبواب ثم تبدأ عملية التصرف البطيء للطاقة والخصوصية، الأخطر أنهم بارعون في ارتداء قناع الاهتمام، هذا الاهتمام سطحي جداً، هدفه الوحيد هو أن تفتح له قلبك، ثم يبدأ التصرف البطيء، معلومة هنا، سر هناك، شائعة تزرع بمهارة، تعليق سام، تلفيق كاذب، وبعد فترة تجد أن أدق تفاصيل حياتك أصبحت حديث المجالس، وأن الناس ينظرون إليك بنظرات مغايرة فيها شك وريبة وحذر.
إن الطفيلي الاجتماعي لا يتغير لأن سلوكه ليس خطأ عابراً، بل هو جزء أصيل من شخصيته، الذي يتغير هو أنت، مدى استعدادك لأن تكون وجبته القادمة، أو مدى قدرتك على أن تحمي حدودك كما تحمي كرامتك، الخصوصية ليست سرية، بل كرامة وعزة وأنفة، وإذا فقد الإنسان كرامته وعزته وأنفته فماذا بقى له؟ أحم خصوصيتك وحدودك ولا تفش أسرارك، وإلا سيأكلك الطفيليون حياً بلا شفقة ولا رحمة.