ميس رضا
منذ فجر التاريخ، شكّلت الشرائع السماوية والأديان منظومة أخلاقية سامية كرّمت الإنسان وجعلت من كرامته محورًا أساسيًا للحياة والاستقرار، فالإنسان لم يكن يومًا مجرد رقم في معادلات السياسة أو ضحية لصراعات المصالح، بل هو القيمة العليا التي تُقاس بها إنسانية المجتمعات وتقدّم الدول.
وفي هذا السياق، برز مفهوم الدبلوماسية الإنسانية بوصفه أحد أنبل وأرقى أشكال التفاعل الدولي، إذ يستند إلى مبادئ التشاركية والتضامن والشعور بالمسؤولية تجاه الآخر، بعيدًا عن الانتماءات الضيقة أو الحسابات السياسية البحتة، فجوهر هذه الدبلوماسية يقوم على الاستجابة لمعاناة الإنسان أينما كان، والعمل على حماية حياته وكرامته في أوقات الأزمات والكوارث والنزاعات.
غير أن العالم المعاصر يشهد تراجعًا ملحوظًا في الكثير من القيم الإنسانية والتي تحطم بعضها على صخرة المصالح، وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحّة إلى تفعيل الدبلوماسية الإنسانية كإطار أخلاقي وسياسي يعيد الاعتبار للبعد الإنساني في العلاقات الدولية.
وتُعد الدبلوماسية الإنسانية إحدى أدوات القوة الناعمة التي تمتلكها الدول، إذ تعبّر من خلالها عن قيمها الحضارية والتزامها الأخلاقي تجاه المجتمع الدولي، فعندما تسارع الدول إلى تقديم المساعدات الإنسانية، أو دعم جهود الإغاثة، أو المشاركة في إعادة الإعمار في الدول المتضررة من الأزمات والمحن، فإنها لا تسهم فقط في تخفيف المعاناة الإنسانية، بل تعزّز أيضًا صورتها الدولية وتبني علاقات قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.
والأهم هنا النظر إلى بعد اجتماعي مهم تجاه الأجيال الحالية بترسيخ قيم الإنتماء والتضامن والتعاون والتعاطف الإنساني، في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا وتسيطر وسائل التواصل الاجتماعي على جزء كبير من حياة الشباب وتغزو عقولهم بشكل أصبح أقرب للعزلة عن الواقع وتحدياته الصعبة، بترسيخ مفهوم الإنسانية في الأجيال الحالية والتضامن الإنساني، فغالبًا ما تجعل الشاشات الأطفال والمراهقين في حالة عزلة اجتماعية، مما يقلل من فرصة ممارسة التعاطف والتعاون المباشر مع الآخرين، ولتعزيز قيم الإنسانية، يجب أن تدمج المناهج التعليمية برامج تربوية تركز على التعاطف، العمل الجماعي، والمبادرات التطوعية، بحيث يعيش الجيل الجديد تجربة التضامن عمليًا وليس نظريًا فقط، كذلك، يمكن استخدام وسائل التواصل نفسها كأداة لتعزيز التضامن، من خلال حملات توعية، قصص نجاح، ومبادرات إنسانية تشرك الشباب في الواقع الافتراضي لتصبح القيم الإنسانية جزءًا من حياتهم اليومية، وليس مجرد مفهوم مجرد أو مصطلح عريض يقتصر استخدامه في مجالات الدبلوماسية.
يمكن القول إن الدبلوماسية الإنسانية لم تعد خيارًا ثانويًا، بل أصبحت ضرورة أخلاقية وسياسية في عالم تتزايد فيه الأزمات والتحديات.
فهي تمثل جسراً بين القيم والمصالح، وتؤكد أن إنسانية الإنسان يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، وأن التضامن الإنساني هو السبيل الأسمى لتحقيق السلام والاستقرار الدوليين.