د.محمد بن عبدالرحمن البشر
انقضى عام ومضى، ودخل آخر ولن يبقى، هذه سُنة الحياة في الأولين والآخرين، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، بأمر لا يعلمه إلا هو، والإنسان قد يكون أحد أسباب زوال هذه العوالم، وعامنا الميلادي الذي انتهى، قدم فيه إلى الدنيا مواليد كثيرة، وفارقنا فيه من البشر أعداد غفيرة، زرع فيه أهل الخير زرعًا أثمر أو سيثمر طعامًا طيبًا، وأنبت فيه أهل الشر نباتًا خبيث الطعم نتن الرائحة، خشن الملمس، وكلهم غادون إلى مآل واحد، ولو بعد حين، الأيام دول، والكيس من اتعظ، يقول الشافعي رحمه الله:
الدَهرُ يَومانِ ذا أَمنٌ وَذا خَطَرُ
وَالعَيشُ عَيشانِ ذا صَفوٌ وذا كَدَرُ
في العام الماضي هناك من تزوج زوجة ولود ودود، أو رزق بمولود، أو فرح بمقدم حبيب، او يسر الله له أمراً كان متعسرًا، وظن ان الأبواب قد أغلقت فيفتح الله له بابًا من أبواب رحمته، ويرزقه من حيث لا يحتسب، إما في صحته، أو صلاح ولده وأسرته، أو في ماله، فمن يتوكل على الله فهو حسبه، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا، وهناك من تكدر صفوه، وطحنه الدهر بكلكله وشاح بوجهه عنه، يقول الشاعر الأندلسي ابو البقاء الرندي:
لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ
فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ
هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ
مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ
لكنها الأيام نقطعها وتقطعنا، ويقول الشاعر أحمد بن محمد الجهمي، بعد ان ضُرب مائة جلدة وحُلق شعره، في عهد المتوكل العباسي، بعد ان قال قولًا مشينًا، عوقب بسببه:
تبرا الكلوم، وينبت الشعر
ولكل مورد محنة صدر
بفتح الصاد والدال، وقال بيتا آخر غير لائق.
في العام الذي فات، حدثت حروب وهنات، واستمرت حروب قائمة، وهدأت أخرى، وانبعثت أخرى، فاستمرت الحرب الأوكرانية، وزادت وتيرتها، رغم محاولات الرئيس الأمريكي إطفاء شعلتها، وهدأت الحرب الإسرائيلية على غزة لكنها لم تتوقف، رغم مبادرة الرئيس الأمريكي ترامب، لأن اسرائيل تريد أرضاً بلا شعب، وكل ما توافق عليه هو خطوات للمناورة وحسب، لكن المملكة العربية السعودية، وهو الصوت المسموع عالميًا، استطاعت ان تطرح الاعتراف بالدولة الفلسطينية، واقنعت الاتحاد الأوربي بذلك، فترأست مع فرنسا هذا الطريق الرائع رغم وضع العقبات فيه، وكانت زيارة صاحب السمو الملكي ولي العهد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أهم دافعًا في هذا المسار، ولقد لقي سموه ترحيبًا واستقبالًا استثنائيًا ومميزًا يجسد مكانته الشخصية ومكانة المملكة العربية السعودية.
وفي المجال الاقتصادي وضعت أمريكا التعريفات الجمركية على الصادرات الواردة إليها بنسب عالية، ثم بدأت التفاوض، ولا أحد يعلم مدى تأثيرها على الاقتصاد الأمريكي والعالمي في المدى البعيد، لكن الأثر القريب كان سلبيًا، رغم ان الأسهم الأمريكية لاسيما البنوك والتقنية استمرّت في الارتفاع وتحقيق أرقام جديدة، وبدأ الفدرالي الأمريكي في تخفيض الفائدة، لتحفيز الاقتصاد، وحدثت أحداث أخرى كثيرة مثل الحرب بين كمبوديا وتايلاند، وباكستان والهند، وغيرها.