عمرو أبوالعطا
الاقتصاد هو العلم الذي يدرس كيفية تخصيص الموارد النادرة لتلبية الحاجات غير المحدودة، لكن في عصرنا الحديث، مع التطورات التكنولوجية وتوسع الأسواق، لم يعد الأمر محصورا في مجرد تلبية الحاجات، بل تحول إلى صناعة الرغبات ذاتها، بمعني أن السوق لا يبيع فقط المنتجات والخدمات، بل يُنتج فينا رغبات جديدة، ويعيد صياغة تصوراتنا عن الذات والآخر.
الباحث جيريمي ريفكين أكد هذا التحول في كتابه (عصر الوصول)، حيث وصف الاقتصاد المعاصر بأنه اقتصاد يعتمد بشكل كبير على إنتاج الرغبات والرموز بدل السلع المادية فقط، وكذلك الباحث بيير بورديو في دراساته حول رأس المال الثقافي أشار إلى كيف تؤثر القيم الاجتماعية والثقافية على أنماط الاستهلاك والرغبات.
هذا الاقتصاد الجديد للرغبة يحمل في طياته تداخلات بين النفس والثقافة والسياسة، ويجعل السوق أكثر من مجرد ساحة لتبادل السلع، بل ساحة لصياغة الذات وصناعة المعنى.
أوضح جيريمي ريفكين أن الأسواق الحديثة تنتقل من اقتصاد السلع إلى اقتصاد الرموز، بمعني أننا لا نشتري فقط منتج بل نشتري حكاية أو هوية مرتبطة به، فليس المهم فقط شراء سيارة، بل ما تمثله من مكانة اجتماعية مثلا.
هذا التحول يمثل ثورة في علم الاقتصاد السلوكي، حيث صارت الرغبة نفسها قابلة للإدارة والقياس، وأصبحت أدوات مثل التسويق النفسي والإعلان تستخدم لتحفيز الرغبات الجديدة، وهذا يعني أن الإنسان المعاصر ليس فقط مستهلك، بل مبرمج رغبات.
فالإعلانات مثلا ليست مجرد وسيلة إعلامية لعرض منتج أو خدمة، بل هي فن صناعة الحلم، وإعادة تشكيل الرغبة لدى الإنسان عبر الوسائط المختلفة، من التلفاز إلى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، فتعمل على تحويل الحاجة البسيطة إلى رغبة معقدة مشحونة بالرموز والمعاني، فحين يتم عرض إعلان لسيارة فاخرة، لا يركز الإعلان فقط على خصائص السيارة التقنية، بل يصورها كرمز للنجاح، ولأسلوب حياة راقي، وبذلك تصبح السيارة ليست مجرد أداة نقل، بل حلم يرغب فيه الإنسان ليشعر بالقيمة والتميز، هنا يظهر الإعلان كلغة ذات قواعد نحوية خاصة، يستغل مشاعرنا وعواطفنا اللاواعية، ويعيد توجيه خيالنا ليخلق رغبات قد لا تكون من الأصل موجودة فينا، الإعلانات بهذا الشكل تشكل برمجة اجتماعية للرغبات.
علاوة على ذلك، مع تطور التكنولوجيا وظهور البيانات الضخمة، أصبحت الإعلانات أكثر قدرة على استهداف الأفراد بشكل شخصي، عبر تحليل سلوكياتهم واهتماماتهم، ما يجعل الرغبة مخصصة ومصممة خصيصًا لكل فرد، مما يزيد من تأثير السوق على الوعي الجماعي.
لو نظرنا في عالم الاقتصاد الحديث حيث تلعب الموضة والابتكار دورا مركزيا في إعادة إشعال الرغبات، وتحفيز الاستهلاك المستمر، ليس المهم فقط ابتكار منتجات جديدة، بل إعادة تقديم المنتجات نفسها بشكل يجعلها تبدو جديدة ومثيرة، هذا ما يُعرف بـدورة الحياة للمنتج، حيث تجدد الشركات سلعها باستمرار للحفاظ على جاذبيتها.
الموضة ليست فقط مجموعة من الملابس أو التصاميم، بل هي لغة تعبيرية تعكس التغيرات الاجتماعية والثقافية، حين تتغير الموضة لا تتغير الملابس فحسب بل تتغير القيم والتوجهات والرغبات التي تشبعها هذه الملابس، وهنا تتحول الرغبة إلى حالة دائمة من التغير والبحث.
هذه الدورة التي لا تنتهي من التجديد تخلق ضغطا نفسيا على المستهلك، فهو يعيش في حالة من القلق المستمر من أن يكون خارج الموضة أو بمعني أخر غير مواكب للعصر، هذا القلق يحوَل إلى دافع للاستهلاك المتكرر، فتنتج الشركات رغبات جديدة بذكاء لتستمر دوامة الاستهلاك، هنا لا يستهلك الانسان ماله، بل يستهلك وقته، واهتماماته، وطاقته النفسية.
لو انتقلنا الي العملات الرقمية، مثل البيتكوين والإيثيريوم والتي ظهرت في السنوات الأخيرة كنموذج جديد في الاقتصاد، هي ليست فقط أصولا مالية، بل تمثل حلما معاصرا يتجاوز المال ذاته.. حلم الاستقلال المالي، والتمرد على الأنظمة الاقتصادية التقليدية.
هذه العملات تخلق رغبة لدى المستثمرين ليست فقط في الربح، بل في الانتماء إلى حركة تمثل التحرر الرقمي واللامركزية، إنها وعود بحياة مالية جديدة خارج سيطرة الحكومات والمؤسسات المالية التقليدية.
فالعملات الرقمية تعبر عن مزيج من الحلم والهلوسة في وقت واحد، فهي تعكس رغبة عميقة في التغيير والتمرد، لكنها في ذات الوقت تخضع لمخاطر كبيرة من الطمع والمضاربات التي تخلق فقاعات مالية قد تنهار فجأة.
في مجتمعاتنا الحديثة، تحولت ثقافة الاستهلاك إلى قوة محركة تحكم سلوكيات الأفراد والجماعات. لم يعد الاستهلاك يهدف فقط إلى تلبية الحاجات، بل صار وسيلة للبحث المستمر عن الإشباع النفسي اللحظي، وينقل الباحثون في علم النفس الاجتماعي أن الاستهلاك المتكرر يشبع رغبة مؤقتة لا تستمر، مما يدفع المستهلك إلى دورة مستمرة من الشراء للبحث عن السعادة أو الراحة، لكنها سرعان ما تتلاشى، هذا يعكس هشاشة نفس الإنسان الحديث، الذي يحاول سد فراغ داخلي بالرغبات الخارجية..
السوق يستغل هذه الحالة، ويحول الاستهلاك إلى إدمان يُغذي نفسه بنفسه، مما يخلق حلقة مفرغة من القلق والشراء.
وهذا لا يقتصر على المنتجات المادية فقط، بل يشمل الخدمات الرقمية، الترفيه، وحتى الخبرات الاجتماعية التي تباع اليوم في الأسواق الاقتصادية الجديدة.
نحن كأفراد أو كمجتمعات هل يمكن أن نخرج من دوامة الاقتصاد الذي يصنع الرغبات باستمرار؟
هل يمكن أن نعيد تعريف رغباتنا بما يتوافق مع حاجات حقيقية ومستدامة؟
يمكن ذلك من خلال الوعي والتمكين، يجب أن يكون جزءا من رغباتنا موجها، وأن حرية الاختيار الحقيقية لا تأتي فقط من القدرة على الشراء، بل من القدرة على التمييز والاختيار الواعي، والتعليم الثقافي والاقتصادي يمكن أن يلعبا الدور المحوري في بناء هذا الوعي.
أيضا يمكن للمجتمعات أن تروج لنماذج استهلاكية بديلة تعتمد على الاستدامة، والاستهلاك المسؤول، والاقتصاد الدائري، حيث لا تكون الرغبة محصورة في الامتلاء المستمر، بل في تحقيق جودة حياة تتجاوز الاستهلاك المفرط.
على المستوى الفردي، يمكن تعلم تقنيات للتحرر من الاستهلاك الموجه، مثل تبني أنماط حياة أبسط، وتحديد الأولويات التي تعكس القيم الشخصية، وليس الإعلانات أو ضغوط السوق.
الاقتصاد الحديث لا يبيع فقط ما نحتاج، بل يبيع ما يجبرنا على تصديق أننا نريده، هذه القوة تحفز النمو الاقتصادي، لكنها في الوقت ذاته تخلق حالة من القلق والفراغ النفسي، التحدي الحقيقي هو أن نتعلم كيف نصنع رغباتنا بأنفسنا، وكيف نستخدم السوق كأداة لتحقيق ذواتنا، لا كأداة تملكنا، هذه مسؤولية جماعية وفردية تتطلب وعيا نقديا، وإعادة تفكير جذري في العلاقة بين الإنسان والاقتصاد.