د.زكية محمد العتيبي
لم تكن الصحراء يوماً فراغًا ممتدًا كما يراها العابرون، بل امتلاءٌ عميق بالمعنى، وسِجلٌّ حيّ لتاريخٍ صاغ الإنسان قبل أن تصوغه المدن الحديثة.
وفي المملكة العربية السعودية، ليست الصحراء هامشًا للحياة، بل قلبها النابض، فمنها تخلَّقت القيم الأولى: كالصبر، والكرم، والوفاء، وقوة الاحتمال.
وبين رمالها وأفقها الممتد، نشأت علاقة فريدة بين الإنسان والإبل، علاقة تجاوزت المنفعة إلى الرفقة، ثم إلى الرمز.
ونحن نحتفي هذه الأيام بمزاين الإبل نعلم أن الأمر لا يتعلق بمنافسة جمالية، بل فعل ثقافي عميق، يعيد للذاكرة الجمعية صورتها الأولى. ففي تفاصيلها نرى امتدادًا لوعيٍ قديم يعرف أن اقتناء الإبل ليس ترفًا، بل تعبير عن الانسجام مع الطبيعة، فالإبل في هذا المزاين ليست جسدًا يُقاس، بل حكاية تُروى: سلالة محفوظة، واسم متوارث، ونَفَس صحراء لم ينقطع.
وحين يحتشد الناس في مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل، فهم لا يأتون فقط للمشاهدة، بل للمشاركة في طقسٍ من الاعتراف بالذات.
هناك، تتلاقى الأجيال؛ الشيخ الذي يحمل ذاكرة الفقر، والشاب الذي يحمل طموح المستقبل، كلاهما يقفان أمام الإبل بالاحترام ذاته. وكأن المهرجان يقول: يمكن للحداثة أن تمضي قدمًا دون أن تقطع جذورها.
الصحراء، في وعي السعودي، ليست ماضيًا يُستدعى للحنين، بل أصلٌ يُستثمر في الحاضر فمنها تعلمنا قراءة العلامات، وفهم الصمت، والتعايش مع القلة، ومنها تشكّل الذكاء العملي الذي بنى الدولة، ثم طوّرها؛ لذلك، لم يكن غريبًا أن يتحول مزاين الإبل إلى منصة عالمية، لأن ما كان أصيلًا بصدق، قادر على مخاطبة العالم دون أن يفقد لغته.
إن الاعتزاز بالإبل اليوم، وبتفاصيل الصحراء، هو اعتزاز بالذات قبل كل شيء، وإعلان هادئ بأن الهوية لا تُقاس بمدى التشبه بالآخر، بل بمدى التصالح مع الجذور.
السعودية، وهي تخطو بثبات نحو المستقبل، لا تلتفت إلى الصحراء من باب (النوستالجيا)، بل من باب الامتنان؛ امتنانٌ لمكانٍ علّم الإنسان كيف يكون قويًا دون قسوة، وكريمًا دون إسراف، وصامدًا دون ضجيج.
ستبقى الصحراء فينالا خلفنا، وسيبقى مزاين الإبل مرآةً نرى فيها أنفسنا كما نحن: أصالةٌ تمشي بثقة نحو الغد.
** **
- أديبة وأكاديمية سعودية