أ.د.عبد الله بن سليم الرشيد
(1)
قعدتُ بين أيدي مدرسين وأساتذة مختلفي النزَعات، متبايني الشمائل، منهم من قضى نحبَه، ومنهم من ينتظر. وكان فيهم من يؤخَذُ بيدِه فيُبَرّ، ومنهم من يُذكَر فيُنكَر ولا يُشكر، ولهذا بيان.
في صباي المبكّر قبل الالتحاق بالمدرسة، ألحقني والدي، رحمه الله، بحلقة تحفيظ القرآن بمسجد برزان في أبها، فدرستُ أنا وأخي الأكبر عبدالسلام، على يدي الشيخ سليمان بن فايع، حفظه الله، والشيخ عُبيدالله الأفغاني، رحمه الله (ت 1433هـ/2011م)، ثم درّسنا الشيخ حسن بن مريّع، شفاه الله، في جامع النمصا، وما زلتُ أذكرُ حفل تكريم الطلاب في مسجد برزان سنة 1393هـ (1973م) وكانت جائزتي كتابَ (تعليم الصلاة) لمحمد محمود الصوّاف، وعشرين ريالًا. وما زلتُ أحتفظ بذلك الكتاب.
وفي المرحلة الابتدائية درَّسني أكْفاء، ما زالت آثارُ جهدهم وإخلاصهم قارّة في النفس، وأذكرُ أن أحدَهم -ونحن في السنة الثالثة الابتدائية في مدرسة التطبيقات المسلكية بأبها - كان يمرّ على كلّ طالب، فيقفُ مصحّحًا له، موجِّهًا، حتى تذهبَ الحصةُ وهو ينتقل من طالب إلى آخر، بلا كَلال ولا ملَل، وآسَفُ أني لا أذكر سوى اسمه الأول (يحيى)، وهو من أهل عسير الكرام، وإن لم أذكرْه فربّه يذكرُه ويجزيه الجزاءَ الأوفى.
وممن درّسني فئامٌ ابتُلِينا بهم؛ وجُلّ الداخلين في البلوى من خرّيجي معاهد المعلمين، التي كانت تقذفُ بهم إلى حلَباتِ التدريس، بلا تأهيل كافٍ، وليس عند جُلّهم استعدادٌ نفسي ولا تربوي، وها أنذا أذكرُ بعضَ ما رأيت منهم.
فأحدهم في مدرسة حي الشفا الابتدائية في الرياض، كان يأمرُني في الاختبار أن أرفعَ ورقة الإجابة؛ ليغشّ منها تلميذٌ من أقاربه كان كرسيُّه خلفي، وفي أحد الأيام، كان هو ومدرّس آخر يتولّيان المراقبةَ في الاختبار، فتواطآ على الخيانة، فكان الأولُ يملي الإجاباتِ على التلاميذ مسترِقًا إياها من ورقة تلميذٍ نجيب، والآخرُ يقفُ على باب الفصل، فإذا رأى قادمًا نقَر بإصبعه على الباب، محذِّرًا! وماذا يُنتَظَر من الأثر في نفوس التلاميذ، وهم يرون المدرّسَيْنِ متواطِئينِ على خيانة الأمانة؟
وفي المدرسة نفسِها درّسنا (التربيةَ الفنية) شابٌّ، كنتُ أراه حينذاك كبيرَ السنّ، لكنّي الآن أقدّر أن سنَّه كانت في أوائل العشرينيات، كان هذا الشابُّ ممن اسْتَزَلَّتْه الخَنْفسَة()، فكان شعرُه الطويلُ تحت شماغه منفّرًا، مع شاربين كثّين، و(سالِفتين) عريضتين، فهيئتُه لا تليقُ بمن يدرّس التلاميذَ وهم في غَضارة الصِّبا، وفي عمُرٍ يجنحون فيه إلى التقليد، وكان مدخّنًا شرِهًا، إذْ كنا نشَمّ رائحتَه كلما دخل، ونراه أحيانًا يدخّن منزويًا في الساحة. وإلى ذلك كلّه لم يكن يدرّسُنا (التربيةَ الفنية)، ولكنه يملأ السبّورةَ بما يشبهُ الخَرْبَشة، التي لا تربّي ذوقًا، ولا تنبّهُ على جمال، ولا تعينُ على تنمية إبداع.
وفي السنة السادسة الابتدائية، درّسنا أستاذٌ من قطر عربي، شَتِيمُ الوجه، حادُّ النظرات، ينظرُ إلينا - معشرَ التلاميذ الصِّبية - نظرَ الذئبِ إلى الفرائس، ونحن ننظرُ إليه، تدور أعينُنا، كالذي يُغشى عليه من الموت.
كانت حصّتُه عذابًا قبل أن تبدأ، وعذابًا إذا شرع فيها، وعذابًا في انتظارِ حصّته الموالية. وهو من الضرب الذي يصلّي صلاةَ الاستخارة قبل أن يبتسم، وكأنّ الله خلقه من نارٍ لا من طين.
وكان ذا صلْعةٍ (ممرّدةٍ كأن ساحتَها مرآةُ فولاذِ)، ولم يكن يغطّيها، فكنت أتأمَّلُ كيف امتدّ نفوذُ جبهتِه، حتى استولتْ على رأسه، وبلغتْ قفاه، ولو رسمتَ فيها عينين ولسانًا وشفتين، لحسبتَه ذا وجهين. والحقّ أنه كان ذا لسانين، فلسانٌ عذْبٌ في حضرة مدير المدرسة والمشرفين، ولسانٌ عضْبٌ علينا.
ولم يكن ذلك التأمُّلُ عبثًا، فقد كانت شَتَامتُه الظاهرة، وزَعَارّته الغالبةُ مَدْعاةً للانصراف عن فهم ما يقول، وأسوأُ ما في المعلّم أن يكونَ ضيّقَ العطن بالتلاميذ، حتى لو كان عبقريًّا، لأن أسهلَ الطرق إلى التلميذ قلبُه، ومن كسب القلبَ كسبَ العقل.
ولست أنسى موقفًا شديد الأثر في نفسي، لما كنت في السنة السادسة، وكانت الحصةُ قائمة، إذْ طرق بابَ الفصل زميلٌ من الفصل المجاور، وقال لمدرّسنا: إن الأستاذَ فلانًا يطلب (عبدالله الرشيد). فأشار إليّ المدرّس أنِ اذهَبْ. فذهبت ودخلت الفصل الآخَر، وإذا أحدُ مدرِّسينا - وهو (م.د) - قد قعد على المنضدة، مدلِّيًا رجليه، نازعًا نعليه، فقال: تعال يا عبدالله. فدنوتُ، وكانت عيونُ التلاميذ كلُّها – أو هكذا شعرت - مسلَّطةً عليّ، فارتبكتُ؛ لأني لم أعرف سببَ استدعائي، فقال المدرّس: سألتُ الطلابَ سؤالًا فلم يعرفوه، فقلت لهم: يعرفه عبدالله الرشيد. ولهذا استدعيتُك.
فتجرّعتُ ما تحلَّبَ من ريقي، وباغتني ظمأٌ شديد، وجفافٌ في اللسان والحلق، ولم أنبِسْ ببنت شفة، ولا بابنةِ خالتها، فاسترسل المدرّسُ وألقى السؤال، فتلكّأتُ، وعَرِق جبيني، ولجلجَ لساني، ثم قلت بعد لأيٍ: لا أعرف. فانفجرتْ قهقهاتُ الطلاب، وصفيرُهم الساخر، وانتظرت من المدرّس أن يقولَ كلمةً تعيد إليّ ثقتي بنفسي، وتهوّن عليّ الموقفَ العصيب، ولكنه صعقني بكلمةٍ ما تزالُ أصداؤُها ترنُّ في أذني، قال مخاطبًا التلاميذ، وهو يشير إليّ: «لو كنتُ أنا الذي أدرّسه هذه المادة لصفعتُه. اذهب». فرجعتُ أدراجي مذمومًا مدحورًا كسيرًا.
إنها الطريقة العقيمُ في معاملةِ التلميذ، تُطلّ عليّ برأسها، وتلزّني في قرَن، وتجعلني ضُحْكةً هُزْأةً لزملائي! وكان في وُسع المدرّس أن يهوّنَ الأمر، ويذكرَ ما يعرفُ من محاسني – إن كانت - ويعيدَ إليّ ثباتَ جأشي بعد إخفاقي، ولكنه أخفق تربويًّا.
وفي المرحلة المتوسّطة درّسنا أستاذٌ سوريٌّ فاضل، اشتُهر فيما بعد بالتأليف والتحقيق، وهو محمد أديب جُمران، رحمه الله (ت 1428هـ/2007م) الذي (تَدَكْتر) لاحقًا، وكان أديبًا شاعرًا، حاذقًا في أداء عمله، حريصًا على الطلاب، قادرًا على التأثير فيهم.
وإن أنسَ لا أنسَ شابًّا عُنجُهيًّا، حَرْفَا اسمِه (س.ل) ابتُليتْ به المدرسةُ المتوسطة في حي الشفا بالرياض، إذْ زُجَّ به في التدريس وما هو له بأهل، فلا هيئتُه ولا وقفتُه ولا طريقةُ حديثِه تدلُّ على عارفٍ عاقلٍ بَلْهَ أن يكون معلّمًا! وكان - كسابقه في الابتدائية - يأمرُني بالمنكر وينهاني عن المعروف بأن أُعِينَ أحدَ الطلاب على أن يغشَّ من ورقتي في الاختبار.
جاء يومًا إلى الفصل الذي كنتُ فيه، وأنا في السنة الثالثة المتوسطة، فاستأذن من المدرّس ليُخرجَني، موهمًا إياه أنه يريدُني لأمر ذي صلةٍ بالنشاط المدرسي، فلما خرجتُ، سار بي في ممرّ خالٍ، إذْ كان الطلابُ في فصولهم، والمدرسون ما بين مشتغلٍ بحصّته، أو مستريحٍ في غرفة المدرسين، أو مشغولٍ بأمر من أموره، وظننتُه محدِّثي عن النشاطِ الذي زعم، وإذا هو يوصيني - وقد أظّلنا زمانُ الاختبار النهائي - بأن أعينَ (فلانًا) على النقل من ورقتي، وقال: إنه سيتعمّد جعْلَ (فلان ذاك) بجواري! وكان ما أراد، ولم أستطع مخالفتَه، فكنتُ أرى ذلك التلميذَ الخائب، يستَرِقُ النظر إلى ورقتي، وأنا الأخيبَ أرفعُ يدي، ليقتدرَ على الغشّ!
وأعجبُ من ذلك كلِّه أن هذا المحرّض على (التَّغْشيش) كان يدرّسُنا (الحديثَ والتفسير)! وكأنّ لسانَ حالِه يقولُ: (من غشّ وغشّش فهو منّا)!
إن التعليم قد يُبتلى بمن ليس أهلًا له، على خطره وأهميته، وربما اعتذرتُ لوزارة المعارف (آنذاك) بأنها كانت تتشبّثُ بالمدرسين السعوديين لقلّتهم، ولكنها في غمرةِ الأمر، تنسى الانتخالَ والاطمئنانَ إلى صلاحيَتهم للتدريس الذي لا ينجعُ ما لم يكن صاحبُه قادرًا مخلصًا أمينًا قدوةً حسنة.
ومن صروفِ الزمانِ أن صُيّرَ ذلك (الأَنْوكُ) وكيلًا للمدرسة فمديرًا، فصار (ينسى زمانَ الهُزال) فيعاقبُ المخطئين عقابَ المتشفّي لا المؤدِّب، ويضربُ المتأخرين ضربَ غرائب الإبل، وكم مرةٍ رنّت خيزُرانتُه على كفيّ لأني تأخرت دقائق! ولله ما أصدقَ من قال: (اللئيمُ يصولُ إذا شبع)!
بعد حينٍ تسامع الطلابُ أن مدرِّسَنا هذا عُزِل، ورُئي (محرِّجًا) في سوق السيارات المستعملة! وكان ذلك موضعَه اللائقَ به.
وفي المرحلة الثانوية درّسنا اللغةَ العربيةَ أستاذٌ مصري مُجيد، وكانت فيه زعارّة وضيقُ عطَن، وكنا - معشرَ الطلاب - نعابثُه، ونفترعُ له اسمًا نعيّره به، ويهجوه أحدُنا - ولن أقول إنه أنا - فيصفّقُ له سائرُ التلاميذ الذين يطلبون الضحكَ والمتعة، ولو كانت على أقْفاء المدرسين.
كنتُ أعابثُ هذا الأستاذَ وأشاغبُه، إذ كنت في طَراءة الصِّبا، وعُنفوان الفتوّة، في السابعةَ عشْرَةَ، وعندي من الجلَد على استفزازه صُبابةٌ من خمرِ الشبيبة العاتية.
وكان يصبرُ ويصطبر، ويحلُم ويتحلّم، حتى إذا بصُر بي يومًا في أحد أسيابِ المدرسة، ناداني وقال: «يا ابني إنت كويّس، بسْ لسانك طويل حبّتين»! ونهاني بلطفٍ عن الإصرار على الشغب، ولا أذكر أني ارعَوَيت.
أتذكّرُه الآن فأعجبُ من سفاهتي وحِلمه، وعَرامتي ووقاره، وأحمدُ اللهَ أنْ لمْ يصفعني صفعةً تجعل أسناني رهينةً في كفّيّ!
ودرّسنا في الثانوية أيضًا أستاذٌ فلسطينيٌّ ناقمٌ على الدنيا كلّها، لأنه كان - على ما رأى هو في نفسه - موهوبًا ذكيًّا، لم ينلْ حقَّه من الاهتمام. وأشهدُ أن فيه شيئًا من ذلك، جاءنا يومًا بمذياع صنعه بيده، وشرح لنا طريقةَ صنعِه إياه، وكان يقرضُ الشعر، فقال يومًا: العجيبُ أن طلابَ هذه المدرسة، على كثرتهم، ليس فيهم شاعر! فأشار الطلاب إليّ، وقالوا: هذا يكتبُ الشعر.
فانبلجتْ أساريرُه، وناداني بعد الحصة، واسْتَسْمَعَ بعضَ ما نظمت، فأسمعتُه، فشجّعني، ثم جعلني في فريقٍ من الطلاب استشارهم في منظوماتٍ كان يهمُّ بتقديمِها لإذاعة الرياض، لتُجعلَ في مسابقة، في كلِّ منظومةٍ منها إلغازٌ بشخصية تاريخية أو حدَثٍ مهمّ، فكان صنيعُه هذا نهجًا جديدًا لم نعهدْه في سائر المدرسين، فلم يسبقْ أن جعَلَنا أحدُهم في (هيئة استشارية)، يُعرضُ عليها ما ينوءُ بالعصبة أولي القوة، وكانت تلك محمدةً لذلك الأستاذ العجيب!.
(للحديث صلة)