أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
هناك حنينٌ لا يشبه الشوق المعتاد، ولا يشبه عودة الذاكرة إلى شيء كان يوماً ما، هو ذلك الوجع الهادئ الذي يجيء من فجوةٍ بين زمنين: زمنٍ عشناه، وزمنٍ آخر كان يمكن أن نعيشه لو أننا التفتنا لحظةً أخرى، أو ابتسمنا بطريقةٍ مختلفة، أو قُلنا كلمةً كانت تقف على أطراف اللسان ثم تراجعتْ، هذا الحنين ليس إلى الماضي، بل إلى الاحتمالات الضائعة، إلى الفروع التي لم تنبت، إلى اللحظات التي مرّت بجانبنا ولم نمدّ يداً إليها.
نشتاق أحياناً إلى أشخاصٍ لم يـمكثوا طويلاً، ومع ذلك تركوا أثراً يُناقض مدّة حضورهم، إلى أشخاصٍ يُشبهون اللمحة: حضورٌ خفيف يوقظ في القلب شيئاً أكبر منه، نفكّر فيهم اليوم فنشعر أنَّ شيئاً ما ناقص، كأنهم فصلٌ قُطِع من رواية، أو بابٌ أُغلق قبل أن نرى ما وراءه، نحن لا نشتاق إليهم وحدهم، بل نشتاق إلى النسخة التي كنّا سنكونها لو أنهم بقوا قليلا.
الغريبُ في الحنين أنه لا ينتظر إذناً؛ يأتيك في منتصف العمل، في لحظة انهماك، أو في طريقٍ مُزدحم، أو أمام نافذة يـمرُّ عليها الضوء بطريقةٍ تشبه لحظةً قديمة، فجأة! تشعر أنَّ قلبك يتباطأ، وأنك تقف بين ما كان وما لم يكن، بين ذكرى واضحةٍ واحتمالٍ غائم، هذا النوع من الشوق ليس حُزناً خالصاً، ولا فرحاً خالصاً، إنه ذلك الالتباس الذي يجعل الروح مُعلّقةً بين اتجاهين.
ربما تكمنُ قسوةُ الحنين في أنه لا يملك نهاية، فالتجاربُ التي اكتملتْ تُحزننا حين نتذكّرها، لكنها تترك لنا مع ذلك بدايةً ونهاية، سبباً ونتيجة، ووضوحاً نحتمي به، أما الحنين إلى ما لم يحدث فهو بلا حواف، بلا حدود، بلا سردٍ يمكن ترتيبه، إنه مفتوحٌ كجُرحٍ لا يُخاط، ومثل نافذةٍ تُطلّ على فراغٍ لا نعرف له اسما، هذا النوع من الوجع يجعل الإنسان أرهف وأعمق، وربما أجمل، لكنه يترك في داخله مسافةً لا يستطيع أحدٌ أن يبلغها.
الطريف أنَّ هذا الحنين لا يضعف مع الزمن، بل يتقوّى، فالماضي الذي عشناه يبهت تدريجيا، أما الماضي الذي لم نعشه فيزداد إشراقاً في الخيال؛ لأنه لا يشيخ، ولا يتغيّر، ولا يخذلنا، إنه يظل كما رسمناه: مثاليا، وناعماً، ومكتمل الإيقاع؛ وربما لهذا السبب تـميل القلوبُ إلى تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد: كلمة لم تُقل، موعد ضائع، لمسة يد لم تحدث، نظرة كان يمكن أن تغيّر اتجاه العمر. القلبُ لا يكتفي بالواقع، بل يُعيد صياغته كما يشتهي.
هناك وجوهٌ تعود بلا إرادة، تعود في الحلم، أو في ظلٍّ على الجدار، أو في أغنيةٍ لم نسمعها منذ سنوات، تلك العودة ليست رغبةً في استرجاعهم، بل في استرجاع أنفسنا يوم كنّا معهم: تلك النسخة الطيبة، الخفيفة، المندهشة، التي لم تكن تعرف أنَّ الأشياء تنتهي بسرعة، نشتاقُ إلى الأيام التي لم نعرف قيمتها، وإلى اللحظات التي لم نفهم معناها إلا حين صارتْ ذكرى.
ليس الحنين ضعفاً كما يُقال، بل دليلٌ على أن الروح ما زالت قادرة على الشعور، القلوبُ التي لا تشتاق هي القلوب التي استسلمتْ، أما القلوب التي تتألم بشوقٍ هادئ فهي القلوبُ التي لا تزال حيّة، تدرك أنَّ كلَّ ما يمسُّ الإنسانَ يظلُّ فيه، حتى لو غاب عن حياته، إنَّ وجع الحنين هو الوجه الآخر للحُبّ، تلك المنطقة التي يلتقي فيها ما أردناه وما لم نبلغه، وما أحببناه وما لم نمتلكه، وما قلناه وما سكتنا عنه.
ليس المطلوبُ أن نطفئ هذا الحنين، بل أن نفهمه، أن ندرك أنه جزءٌ من ذاكرتنا العاطفية، وأنه ليس نداءً للعودة إلى الوراء، بل دعوةٌ للوعي، للتصالح مع النسخ التي كنّا عليها، للرفق بالجزء فينا الذي ما يزال ينتظر شيئاً لم يحدث.
الحنين لا يطلب الحقيقة، إنه يطلب الاعتراف فقط، أن نقول له: (أعرفك)، ثم نتركه يمرُّ بهدوء، كزائرٍ لطيفٍ لا يريد أن يبقى، لكنه يترك في القلب أثراً طويلا.