عبدالله العولقي
زارَ مُفتي الديار المصريّة الشيخ محمد عبده مدرسة أسوان الابتدائية، وعندما سأل مديرَ المدرسة عن الطلبة المتميزين، تهلّل وجه الناظر، وقرر أنْ ينتهز الفرصة، ونادى بصوتٍ تملؤه الثقة: يا عبّاس هات كراسة الإنشاء، وهنا استلم الشيخُ محمد عبده الكراسة وظلّ يتأمّل الإنشاء وهو في غايةِ الإعجاب!، فنادى التلميذ عبّاس محمود العقاد، وأخذ يناقشه حول قضايا معيّنة فوجد أمامه عقلاً صغيراً يتهيأ للمعرفة والفنون، فربت على كتفه مُهنّئاً له على هذا التميّز، وتنّبأ له بمستقبلٍ باهرٍ في عالم الفكر والأدب، وخلال مسيرته الفكريّة لمْ يكن العقّاد أبداً مثقفاً عادياً، بل كان مُفكراً على درجةٍ عاليةٍ من العلمِ والثقافة، فترك في المكتبة العربية إرثاً ثقافيّاً يربو على المائةِ كتاب!!، ألّفها في مجالاتٍ متنوعةٍ من الدراسات الفكريّة والفلسفيّة والأدبيّة، وكلُّها تكاد تتّفقُ في أسلوبها الكتابي المعهود عن العقاد، جُمَلٌ قِصارٌ لكنها مُثقلة بالبلاغة اللغوية والمعاني الفكريّة، ولهذا أطلق عليه سعد باشا زغلول لقب (الكاتب الجبّار)، أمّا النقاد فسمَّوه (عملاق الفكر العربي)، وفي عام 1979م أنتج التلفزيونُ المصري مسلسلاً يحكي سيرة العقاد قام المؤلف محمود مرسي بأداء دوره.
وُلدَ العقادُ عام 1889م في مدينة أسوان بصعيد مصر، ونشأ في بيتٍ يكتنفه الصمت والهدوء والوقار، وفي فصلِ الشتاءِ كان السواحُ الأجانبُ يملؤون شوارع أسوان طلباً للدفء ومشاهدة آثار الحضارة المصريّة القديمة، فكان الطفلُ العقادُ ينتهزُ هذه الفرصة ليمرّن لسانه على تعلّم اللغة الإنجليزية حتّى أجادها، وعلى الرغم من تفوّق العقاد في المرحلة الابتدائية إلّا أنّه اكتفى بشهادتها ولمْ يفكرْ بإكمال دراسته، إذْ كانت هذه الشهادة في وقتها تؤهّلُ صاحبها للحصول على وظيفةٍ حكوميّة، وبالفعل التحقَ العقادُ بعدّةٍ وظائف متتالية، فما أنْ يلتحقُ بواحدةٍ حتى يصيبه المللُ والضجرُ فينتقل إلى أخرى، وهكذا بقيَ حاله حتى قرّر أخيراً أنْ يعتزلَ الوظيفة، وقد قال في ذلك: من السوابقِ التي أغتبط بها وأحمدُ الله عليها أنني كنتُ أوّل موظف مصري استقال من وظيفةٍ حكوميّةٍ بمحض اختياره، يوم كانت الاستقالة من الوظيفة والانتحار في طبقةٍ واحدةٍ من الغرابة وخطأ الرأي عند الأكثرين!!، لكنني كنت أؤمنُ كلّ الإيمان بأنّ الموظف رقيق القرن العشرين!!، وبعدها اقتحم العقادُ عالم الصحافة، فهي قريبة من ميوله الأدبيّة فكان من أوائل المحرّرين والكتّاب والمترجمين في الصحف المصريّة مثل الدستور والأهرام، وفي هذا العالم الكثيف خاض العقادُ أعنف معاركه الأدبية والفكريّة، فاشتدّ قلمُه دفاعاً عنْ مواقفه السياسيّة والثقافية، فاصطدم مع طه حسين والرافعي وسلامة موسى وزكي مبارك بنقاشاتٍ حادة، وقدْ عاشَ العقادُ حياته أعزباً بعيداً عن أجواء الأسرة، فلمْ يتزوجْ على الإطلاق، وعندما سألته المذيعة أماني ناشد في لقائه التلفزيوني الشهير أجاب بأنه انهمك في شبابه في معاركه السياسية والثقافية ولم يتفرغ حينها للتفكير في الزواج، بلْ كان يقرر أنّه لا يريدُ أنْ يشُقَّ على امرأةٍ بالزواجٍ منها لكثرة صراعاته وعدم استقراره الذهني والنفسي!!.
اشتهر العقّادُ بصالونه الأدبي الذي أقامه في أربعينيّات القرن الماضي واستمرّ حتى وفاته، فهو أحد أشهر المنتديات الثقافيّة في الوطن العربي حينها، وقد سطّر تلميذه الكاتبُ الشهير أنيس منصور تفاصيلَ هذه الندوات واللقاءات في كتابه في صالون العقاد كانت لنا أيام، فقدْ أدركَ المؤلفُ أنّه لمْ يُوثّقْ مجرّد صالون، بل وثّق عصراً كاملًا من الوعي والجدل والإبداع، فكان يقولُ عنْ تلهّفه وزملائه لحضور ندوة العقاد: لقد كنّا نركب المترو، أو بعضنا تدفعه الحماسة إلى أنْ يذهب ماشيًا، وكانت رحلتنا إلى بيت العقاد تبدأ يوم الخميس، فنظلُّ نتحدّثُ عنه وعنْ ندوته السابقة، ثمّ نمشى على أقدامنا إلى مصر الجديدة، تمامًا كما كانَ يفعلُ الحُجّاجُ عندما يسافرون من المغرب إلى الأراضي المُقدّسة، ويكون المشوارُ حديثًا عن العقاد فقط!، ففي هذا الكتاب صوّر أنيس منصور تلك الحالة التي عاشها وزملاؤه في صالون العقاد وكأنّها حالةٌ من الوجد الصوفي التي يتماهى فيها المُريدُ مع الولي، فلا يرى سواه، ولا يسمع غيره، فكان يُسارعُ إلى الشارع الذى فيه بيت الأستاذ، ولا يرى أيَّ معالم لهذا الشارع، حتى أنّه لمْ يعرف شكل البيت ولا المدخل ولا عدد السلالم التي يصعدها كل أسبوع إلا بعد سنواتٍ طويلة!، ففي وقتها كان رأسُه – كما يقول - مثل راديو صغير مضبوط على موجة واحدة، فالمؤشر لا يتحرّكُ إلى محطاتٍ أخرى، بل العقّاد وحده هو المحطة الرسميّة التي يستمع لها وهذا يكفيه بالطبع!!.
وفي هذا الصالون، كان العقادُ يخاطبُ ضيوفه ومحاوريه بعبارة: يا مولانا!، هكذا كان يتكلم مع الجميعُ من حوله، فالكلُّ في صالونه تلاميذ، لا أحد يفوقُ الأستاذ علماً وفكراً وثقافة، وكانَ يشجّعُ روادَه وتلاميذه على الضحك ورواية النكت، وعندما يبادره أحدهم بنكتةٍ كان يردُّ أحياناً أنّ لديه أحسنَ منها!، ثم يروي النكتة ويضحكُ ضحكته العالية المدويّة، هكذا كانَ العقادُ يعيشُ حياته وِفْق فلسفته الخاصة، الفلسفة التي تشكّلت عنده من تجربته في الحياة، وقراءاته العميقة في كتب الفكر والفلسفة، فعندما ألّف كتابَه جحا الضاحك المضحك لمْ يكتفِ بمحتوى النوادر فقط، بلْ قامَ بفلسفة الضحك كسلوكٍ فطريٍّ إنسانيٍّ ينبغي ألّا يتخلّى عنْه الإنسانُ مهما كانت الظروف، بلْ على العكس تماماً، فالضحكُ هو السلاحُ الذي يحمله الفردُ في مواجهة أعباء الحياة ومشاكلها!!.
عُرف العقادُ باعتزازه المفرط بذاته، واعتداده الذي يصلُ إلى درجة الغرور أحياناً، فعندما منحته جامعة القاهرة درجة الدكتوراة الفخرية رفضها، وعندما طلبَ منه طُلّاب الجامعة أنْ يُلقي عليهم محاضرةً فكريّة في أيّ موضوعٍ يختاره، فاجأهم قائلاً: بل اختاروا أنتم الموضوع!، لقدْ كانَ يريدُ أنْ يُثبتَ لهم ولغيرهم أنّ ثقافته الواسعة تجعله قادراً على الحديث في أيّ موضوع!، وبالفعل جاء العقادُ صاحب الشهادة الابتدائية إلى الجامعة، وألقى على أساتذتها وطلابها محاضرةً عميقةً أدهشت الجميع بقوة هذا العملاق الفكري، ويحكي أنيس منصور كيف امتلأت القاعة وضاقَ المدرجُ بكل الطلاب والمعجبين الذين قدموا لرؤية العقاد، بلْ إنّ كثيراً منهم جاءوا من كليّات الطب والهندسة والعلوم!!.
لقد كان العقاد مدمناً للقراءة لدرجة عجيبة، فربما يصل الليل بالنهار وهو منهمك في الاطلاع والكتابة والبحث، فعاش حياته غارقاً في لجج المكتبة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وكانت له فلسفة ظريفة حول ذلك، فقد كان يقرأ في كل العلوم والفنون، فقد تحدث ذات مرةٍ عنْ ولعه الشديد بالحشرات، قائلًا إنّه يملكُ مائة كتابٍ عنها، فهو يرى أنّ هذه النوعيّة من الموضوعات تزيده بالإحساس بالحياة وتوسيع مجال الاطلاع، موضّحًا أنّ دراسة الحشرات أهمّ دراسة نفسيّة يُمكنُ أنْ يطّلع عليها الإنسان، وله مقولةٌ خالدةٌ أصبحت اليوم دستوراً للقراء وعشاق المكتبات في الوطن العربي، فيقول: أنا أقرأ لأنّ حياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كلّ ما في ضميري من بواعث الحركة، فالقراءة وحدها هي التي تعطيني أكثر من حياة!، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإنْ كانت لا تطيلها بمقادير الحساب!.
لقدْ أوصلته قراءاته العميقة إلى أنّ الذين خلّدهم التاريخ همْ منْ صنعوا تغيّراً نوعياً في المجالات الإنسانية والعلميّة، ومنْ هذه البوّابة أرادَ العقادُ أنْ يُحدثَ فرقاً جوهريّاً في الشعر، ففي عشرينيات القرن الماضي حاول العقاد أنْ يحدث نقلة نوعية في موضوعات الشعر العربي، فأسّس مع زميليه إبراهيم المازني وعبدالرحمن شكري مدرسة الديوان حيث انتقدوا بضراوةٍ عنيفةٍ مدرسة الإحياء التقليديّة التي كان يتزعّمها شوقي، فهاجموا أمير الشعراء بحقٍ وبغير حق، وحول هذا الصراع الأدبي التاريخي يمكننا القول إنّ مدرسة الديوان قد نجحتْ بالفعل، وأحدثتْ أثراً كبيراً في تطوّر الشعر العربي بفضل الأفكار الشعريّة القادمة من الغرب، وكانت بوابةً لتدشين مدارس شعريّة أخرى تجرّأت بالخروج على تقليديّة الشعر العربي مثل مدرستي أبولّو والمهجر، لكنّ العقادَ أخطأ في تقييم شوقي حين راهنَ أنّ قصائده ستفنى مع الزمن بينما الواقع أثبت أنّ الشّوقيّات لا تزال خالدة في الذاكرة العربيّة حتى اليوم!، فالشعرُ في جوهره يرتبطُ بالوجدان أكثر من ارتباطه بالمنطق الذي يعشقه العقاد، ولعلّ هذا هو السبب في تحوّل العقاد من قيود القافية وأوزان الشعر إلى فساحة الفكر العقلي في مجال الدراسات والأبحاث، هناك حيث يُجيدُ العقادُ اللعبَ في ساحات الفكر والمنطق، فأنتجَ العقاد سلسلة رائعة ومتميزة من الدراسات النقديّة والبحوث التاريخيّة خصوصاً سلسلة عبقريّات الإسلام التي نجح من خلالها في تخليد ذكره في عالم الفكر الإسلامي، وهنا نعودُ إلى شاعريّة العقاد ونختار إحدى أهم وأشهر قصائده التي أبدع من خلالها في تحليل النفس البشرية والغوص في دخائلها الفطريّة من خلال موضوعين أساسيّين: الملل النفسي والبحث عن السعادة، فهو هنا يناقشُ تناقضيّة النفس البشرية في أسمى معانيها، وحول ذلك شيّد العقادُ قصيدته القصيرة ببناءٍ هندسيٍّ محكم التصميم، فقام بتقسيم هذه التناقضيّة البشريّة إلى ثنائيّات متضادة في كلّ بيت، ففي هذه القصيدة الاجتماعيّة يتفلسف العقاد بصورة الحكيم العارف بغريزة النفس البشريّة التي تتأسّس على سلوكيّة الملل من جهة، وسلوكية البحث عن السعادة من جهةٍ أخرى، فالطفل الصغير يتمنّى لو يكبر حتى يصبحَ رجلاً سعيداً، وما أنْ يصلَ إلى مرحلة الشيخوخة حتى يملّ ثمّ يدرك أنّ طفولته كانت هي السعادة الحقيقية:
صغيرٌ يطْلبُ الكِبَرا
وشيخٌ ودّ لو صَغُرا
وفي البيت الثاني يناقش العقّادُ ثنائيّة البطالة / العمل عندما يبحثُ العاطلُ عن سعادته المرجوة في وظيفةٍ يسدُّ بها رمقه بينما العامل الموظف قدْ ضاق ذرعاً بها:
وخالٍ يشتهي عملاً
وذو عملٍ به ضجرا
أو في ثنائيّة الغنى / الفقر، عندما يشكو الثريُّ من تكدّسِ أعماله اليوميّة مقابل شكوى الفقير من سوء أوضاعه:
وربُّ المالِ في تعبٍ
وفي تعبٍ من افتقرا
أو في ثنائيّة الخصوبة / العقم، عندما يحزنُ العقيمُ منْ ندرة الذريّة مقابل شكوى غيره من وفرة الأبناء ومشاكلهم:
وذُو الأولادِ مهمومٌ
وطالبُهم قد انفطرا
وهكذا يستمرُّ العقاد في تصوير تناقضيّة النفس البشريّة حتى يصلَ في النّهاية إلى بيت القصيد وخلاصة الحكمة:
فهلْ حارُوا مع القدرِ
أمْ همْ حيّروا القدرا؟
لقدْ كان لقبُ الشاعر أحبّ الألقاب إلى العقاد على الرغم من أنّ شهرته جاءت من دراساته الفكريّة والنقديّة، فهو مفكرٌ عميق الدراسة والبحث، ويعتبر العقاد من الشعراء الذين نعوا نفسهم قبل الرحيل، وهو هنا لا يأخذ المعنى بصورته التقليدية، بل يفلسفه كعادته ويعطيه طابعه العقّادي الخاص، فهو بذلك يُعبّرُ عن رؤيته للموتِ ليس كنهايةٍ مؤلمة، بل كـكأسٍ شهيّةٍ يُغنَّى لها ويُشربُ، كما يرفض الصمتَ عند دفنه، داعياً إلى الطربِ والتفاؤل حتى في لحظةِ الرحيل:
إذا شيّعتمونى يومَ تأتي منيّتي
وقالوا أراحَ اللهُ ذاك المُعذّبا
فلا تحْمِلُوني صَامتين إلى الثرى
فإنّي أخافُ القبرَ أنْ يتهيّبا
ولا تذكُروني بالبُكاءِ وإنّما
أَعِيدوا على سمْعي القصيدَ فأطرَبا