خالد محمد الدوس
ولد عالم الاجتماع الألماني الأصل «الدنماركي الجنسية» (ثيودور جيجر) في عام 1891 في ميونخ وبعد أن أنهى تعليمه العام التحق بجامعة ميونخ الألمانية عام 1910 وحصل على شهادة البكالوريوس في القانون، ثم واصل تعليمه العالي ونال درجة الماجستير من (جامعة فور تسبورغ الألمانية)، ثم تلا ذلك شهادة الدكتوراه من ذات الجامعة عام 1918، وكان عنوان أطروحته العلمية (الإشراف الوقائي في المجتمع) تحت إشراف العالم الألماني «فريدريش أوتكبر».. ثم عمل في الصرح الأكاديمي بعد التحول من دراسة القانون إلى التدريس والبحث في علم الاجتماع وتدرج في مسيرته التعليمية حتى نال الأستاذية وهي أعلى درجة علمية في العمل الأكاديمي فقد شغل أستاذ كرسي علم الاجتماع في (معهد براونشفايغ) للتكنولوجيا عام 1928، وأشهر منصب كان أول أستاذ علم الاجتماع في الدنمارك وعلى وجه التحديد في «جامعة آرهوس» عام 1938، كما أسهم في تأسيس أول معهد للأبحاث الاجتماعية في اسكندنافيا «بجامعة آرهوس» ومشارك في تأسيس الرابطة الدولية لعلم الاجتماع، ومن المثير للاهتمام أن العالم (جيجر) الذي تلقى تعليمه في القانون وكمحامٍ أصبح لاحقا مؤسسا لتقاليد علم الاجتماع التجريبي والمؤسسي في الدنمارك والدول الاسكندنافية حيث يظهر هذا التحول كيف أن خليفته القانونية أثرت لاحقا على مساهماته البارزة وجهوده الثمينة في إغناء علم الاجتماع القانوني حيث حلل القواعد القانونية كظواهر اجتماعية، كانت حياته مليئة بالتنقل والترحال بسبب الأحداث السياسية في المجتمع الألماني في الثلاثينيات الميلادية من القرن الفائت خاصة بعد صعود النازيين الذين كان من النقاد الأوائل لهم فهاجر إلى الدنمارك عام 1933 بدعم من مؤسسة روكلفر، ونال الجنسية الدنماركية عام 1943 ليؤسس أول معهد للأبحاث السوسيولوجية في اسكندنافيا عام 1945، كما أسس المجلة الاكاديمية في الدنمارك، وفي مجالات البحث والاسهامات الفكرية التي قدمها العالم الاجتماعي (ثيودور جيجر) كتابه «الطبقات الاجتماعية للشعب الألماني» عام 1932، وهذا المؤلف كان يعد أول دراسة بحثية إحصائية تمثيلية للمجتمع الألماني بعد أن تأثر في بداية حياته العلمية بالماركسية لكنه تخلى لاحقا عن فكرة وجود بنية طبقية ثابتة، وركز في دراساته السوسيولوجية على الديناميكية والحراك الاجتماعي كما في دراسته في مدينة آرهوس، ومن إسهاماته العلمية أيضا كتابه «دراسات أولية في علملاجتماع القانوني» (1947)، حيث حلل القانون كظاهرة للواقع الاجتماعي ودرس طبيعية النظام المدني ولذلك عـــدّه البعض أنه شخصية مهمة ورقم صعب في علم الاجتماع القانوني والتحليل الطبقي، وقدم تحليلا دقيقا للقانون كظاهرة اجتماعية، متجاوزا التفسيرات المثالية أو الفلسفية البحتة.
كان (جيجر) وضعيا وواقعيا في منهجه حيث تأثر بعالم الاجتماع الألماني المعروف «ماكس فيبر» و»كارل ماركس» جزئيا لكنه طور نظرية اجتماعية مستقلة ترى القانون أداة للتنظيم الاجتماعي ونتاجا للصراع والتراضي بين الجماعات، فقد رفض فكرة أن القانون مستمد من الأخلاق والقيم المطلقة (الفكرة الطبيعية للقانون) وبدلا من ذلك رأى أن القانون هو مجموعة من القواعد الواقعية التي يضعها البشر في مجتمع معين لتنظيم سلوكهم.
كما أن من أفكار هذا العالم تحديد وظيفة القانون الأساسية بأنها ليست تحقيق العدالة المجردة. بل هي تجميد الصراعات الاجتماعية وتنظيمها بطريقة سليمة، كما أشار في هذا السياق إلى أن القانون يقوم بذلك عن طريق.. تحديد الحقوق والواجبات بشكل مسبق وواضح، وترسيم حدود السلوك المسموح به، وأيضا توفير آليات مؤسسية (محاكم، عقوبات) لحل النزاعات دون اللجوء إلى العنف والفوضوية أو الانتقام الفردي..! وبالتالي وبحسب رأي جيجر القانون هو أداة للضبط الاجتماعي والاستقرار، وليس تعبيرا محايدا عن «الإرادة العامة» بل هو نتيجة للصراع والتفاوض والتوازن بين المصالح المادية للجماعات والطبقات الاجتماعية، وعن أفكاره حول الطبقة الاجتماعية فقد طور جيجر نظرية طبقية دقيقة تركز على الدخل والمكانة حيث رأى أن القانون يمكن أن يكون أداة للحفاظ على امتيازات الطبقة الحاكمة ولكنه يمكن أن يكون أيضا أداة لتحقيق مكاسب للطبقات الدنيا (عندما تنظم هذه الطبقات وتتمكن من فرض تغيرات كما في قوانين العمل والحماية الاجتماعية، والخلاصة يعد العالم الراحل جيجر أحد الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع القانوني الوضعي الذي يدرس القانون كحقيقة اجتماعية قابلة للملاحظة والتحليل كما أثرت أفكاره حول فصل القانون عن الأخلاق على تطور الوضعية القانونية في القرن العشرين.
توفي العالم (ثيودور جيجر) عام 1952 أثناء عودته من كندا في البحر على متن السفينة، تاركا إرثا غنيا حيث تعد نظرياته حول الطبقات والجماعات جسرا بين علم الاجتماع الكلاسيكي والدراسات المعاصرة للحراك الاجتماعي.. كما يعد رائداً في علم الاجتماع المعرفي فضلا عن وضعه لأسس قيام ونشأت علم الاجتماع القانوني الوضعي في أوروبا.. العلم الخصب الذي يدرس القانون كنظام اجتماعي قائم وفعال ومؤثر في تنظيم المجتمع وضبطه.