د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
يفرق فهد عاشور بين مفهوم الفصاحة في الجزيرة العربية ومفهومها في العراق، وذكر أن لفظ الفصاحة والفصحى لم يظهر في الشعر الجاهلي ولا في النقوش العربية القديمة، وأن أول ظهور له في القرآن الكريم في قوله تعالى {وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ} [القصص: 34] ليبين أن الفصاحة مجرد الإفهام ولا علاقة له بالإعراب والمثالية، وليس مقصورًا على اللسان العربي فكل لسان أفهم يمكن وصفه بالفصاحة، ويستشهد باستعمال اللغات الدارجة للفظ الفصيح في أمثالها وأشعارها لينتهي إلى القول «هكذا، فإن الفصاحة في القرآن، وفي الأمثال الشعبية، وفي الشعر النبطي لا تعني في جزيرة العرب سوى الإفهام، نقيضها العجمة، التي تعني عدم الإفهام (الغموض أو الإبهام)» (ص196).
ويعزِّز فهمه للفصيحة في الجزيرة العربية بالإشارة إلى كتاب الهمداني (صفة جزيرة العرب) الذي تحدث فيه عن لغات العرب في الجزيرة (ص248) مبينًا أنها على درجات فمنها الفصيح ومنها الأفصح ومنها دون ذلك، ثم يؤسس على ذلك قوله «لقد دأبت الدِّعاية العراقية على تصوير العرب كمجتمع من الناطقين الفطريين باللغة الفصحى (اللغة المعربة) النقية، الذين (فسدت لغتهم) نتيجة لاحتكاكهم بغيرهم من شعوب البلاد المفتوحة بعد ظهور الإسلام، فاختفى منها الإعراب، وظهرت نتيجة لذلك اللهجات العامّية. هذه المزاعم تفشل تمامًا في تفسير سبب وجود لهجات عربية غير مفهومة»(ص200-201).
يمكن القول هنا إنَّ التفاوت في الفصاحة التي ذكره الهمداني لا يعني ترك الإعراب، بل يعبر عن مدى موافقتها للغة المشتركة التي أنشد بها الشعر الجاهلي ونزل بها القرآن الكريم وتفاهم بها العرب في أسواقهم وجاءت عليها أمثالهم وخطبهم واستعملها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه في خطبهم وكانت لغة الحديث الشريف، هذه اللغة المشتركة هي التي خالف عنها الناس بعد أمّة بما خالط مجتمعاتهم من الناطقين بغيرها، وهو أمر أدّى إلى نقط رسم المصحف إعجامًا وإعرابًا، وكان الالتزام بلفظ اللغة المشتركة قويًّا؛ «ولذلك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل لحن: أرشدوا أخاكم فإنه قد ضلّ، فسمّى اللحن ضلالًا، وقال صلى الله عليه وسلم «رحم الله امرأ أصلح من لسانه»، وذلك لما علمه صلى الله عليه وسلم مما يعقب الجهل لذلك من ضد السداد، وزيغ الاعتقاد»(1).
وذهب المؤلف يبين اختلاف مفهوم الفصاحة في العراق، قال «في الوقت الذي يؤكد فيه الهمداني (ت 334هـ / 945م) أن (الفصاحة) منتشرة في كافة مناطق جزيرة العرب اليمن عسير، الحجاز، نجد العروض، وكذلك في الشام والعراق، كان معاصره أبو[الفتح] عثمان بن جني (320-392هـ / 932-1001م) يعلن من بغداد أن «الفصاحة ماتت تماما داخل جزيرة العرب وخارجها. لم يعد هنالك من يتحدث اللغة الفصحى، أو يمكن الاحتجاج بلغته - وفقا لابن جني - سواء أكان بدويا من جزيرة العرب (أهل الوبرة)، أم حضريا من سكان الأمصار (أهل المدر) خارجها»(ص 201)، ونقل قول ابن جني «وكذلك أيضًا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدَرِ من اضطراب الألسنة وخبالها وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها وترك تلقي ما يَرِدُ عنها. وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا؛ لأنا لا نكاد نرى بدويًّا فصيحًا. وإن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه لم نكد نعدم ما يفسد ذلك ويقدح فيه وينال ويغُضّ منه»(2). وقول المؤلف متوقف فيه؛ لأن الهمداني لم يزد على بيان تفاوت أمر الفصاحة في لغات الجزيرة، وأما ابن جني فقد ابتسر المؤلف نصه ليوافق ما أراد الوصول إليه لأن أول نص ابن جني هو قوله «باب في ترك الأخذ عن أهل المَدَرِ كما أُخِذَ عن أهل الوبر: علّة امتناع ذلك ما عَرَضَ للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل، ولو عُلِمَ أن أهل مدينةٍ باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم، لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر»(3).
ابن جني لا يختلف عن الهمداني فهو يثبت الفصاحة لأهل الوبر دون أهل المدر مع الاحتراز من تجنب فشو الفساد إلى بعض أهل الوبر ويعني بهم من يغشون المدن ويقطنونها، ويشير ابن جني إلى أنّ اللغة المشتركة هي التي عليها المعول، فيختار من اللغات ما هو أقرب لها، قال «فأمَّا أن تَقِلَّ إحداهما جدًّا وتكثر الأخرى جدًّا؛ فإنك تأخذ بأوسعهما رواية وأقواهما قياسًا، ألا تراك لا تقول: مررت بَكَ ولا المال لِكَ، قياسًا على قول قضاعة: المال لِه ومررت بَه، ولا تقول: أكرمتُكِش ولا أكرمتُكِس قياسًا على لغة من قال: مررت بِكِش، وعجبت مِنْكِس»(4).
وضع الباحث في (ص202) عنوانًا هو «البحث عن مشروعية دينية لمفهوم (الفصاحة) العراقي: (الفصاحة) وإعجاز القرآن». ذكر كلامًا كثيرًا عن ربط الفصاحة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبإعجاز القرآن لمنح المعنى الجديد للفصاحة مشروعية دينية، ثم قال «تعاني جميع هذه الآراء من مشكلة جوهرية. فهي تستخدم مفهوم (الفصاحة) الجديد (اللغة المعربة)، الذي نشأ في العراق، لإثبات إعجاز القرآن بأثر رجعي، متجاهلة معنى (الفصاحة) الأصلي (اللغة المفهومة) المستخدم في جزيرة العرب وفي نص القرآن نفسه. يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار حقيقة أن القرآن يترفع عن وصف لغته بـ(الفصاحة) دائماً، وفي جميع السياقات التي يذكر فيها اللغة التي نزل بها»(ص 205). وقوله هذا ملبس كأنه يزعم أن لغة القرآن مفهومة ولكنها غير معربة، وإن لم يصف القرآن نفسه بالفصاحة فقد وصفها بما هو أعلى من الفصاحة وهو البيان، قال تعالى{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ(194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ(195)} [الشعراء: 192 – 195]
ينتهي المؤلف إلى القول «استنادا إلى ذلك، يبدو ربط إعجاز القرآن بـ(الفصاحة) مُقْحَمًا بنسبة كبيرة. فهو لا يثبت إعجاز القرآن، بقدر ما يضفي معنى القداسة على مفهوم (الفصاحة) الجديد، وبالنتيجة على (اللغة العربية الفصحى)، التي صنعت في العراق في القرن الـ 2هـ / 8 م، ثم أصبحت، بتأثير من الدعاية اللغوية - الدينية، لغة القرآن بأثر رجعي»(ص 206). وأقول نحن إن لم ندرك أقطار إعجاز القرآن لا نشك أن فصاحته وبيانه داخلة في هذا الإعجاز، وأما اللغة العربية الفصحى وهي لغة العرب المشتركة التي أنشد بها الشعر الجاهلي ونزل بها الوحي فقد كانت قبل الإسلام ولولا ذلك ما تجلت في هذه النصوص العالية.
ثم وضع عنوانًا هو «نقل مفهوم (الفصاحة) العراقي إلى جزيرة العرب: أسطورة (السماع اللغوي)»، وقال في بدايته «لم تكن اللغة الفصحى (اللغة المعربة)، التي ادعى النحاة ومفسرو القرآن وجودها، لغة الحياة اليومية في البصرة والكوفة. ولم يحدث أن شوهد فيهما، أو في غيرهما من الأمصار، عربي واحد قادر على تكلم هذه اللغة بصورة طبيعية»(ص 207). وهكذا يعيد ويبدئ في نفي الإعراب عن القرآن، وفي قوله من المبالغة ما يتوقف فيه فإن لم تكن الفصحى لغة الحياة اليومية فمجالس الخلفاء والأمراء ومجالس العلم والدرس قوامها العربية الفصحى، وما فتئ النحويون ينتقدون من يلحن من الشعراء والخطباء، ووضعت كتب في لحن العامة.
ويمضي في التشكيك بأمر الرواية عن العرب، قال «في الوقت الذي توقف فيه السفر من العراق إلى جزيرة العرب، بسبب انتشار الفوضى الأمنية، التي أشاعها القرامطة في أجزاء واسعة من شرق ووسط الجزيرة العربية، بدأ ال1لغويون والنحاة بالترويج لادعاءات تفيد بأنهم رحلوا إلى هذه المناطق تحديدا لسماع اللغة عن الأعراب (الفصحاء)، وأن المادة اللغوية التي سمعوها منهم مثلت الأساس الذي اعتمدوا عليه في وضع قواعد اللغة الفصحى»(ص 210). وغرّ المؤلف تأثره بأقوال مرسلة غير دقيقة سماها معلومات قيّمة، وهي أقوال لا دليل عليها، وقال في موضع آخر «على أية حال، إن مزاعم الرحلة إلى جزيرة العرب لسماع اللغة عن الأعراب فيها تنهار تماما لدى البحث عن أدلة نصية تُثبت وجودها في مؤلفات النحاة واللغويين. لقد بحثت في أغلب المؤلفات، التي تعود إلى الفترة الزمنية التي تشكلت فيها النظرية اللغوية العربية القرن (2-4 8-10م)، عن النصوص التي تثبت سماع النحاة واللغويين المباشر عن الأعراب في جزيرة العرب»(ص 212)، وأجرى إحصاءًا اعتمد فيه على المكتبة الشاملة وانتهى إلى القول «تتضمن جميع هذه المؤلفات 11 نصا فقط تثبت وجود السماع المباشر عن الأعراب: ثلاثة نصوص منها تتعلق بقواعد اللغة والنصوص الثمانية الباقية تتعلق بإنشاد الشعر، أو بمعاني بعض المفردات. لا يمكن لهذا العدد الضئيل من النصوص أن ينهض بعبء إثبات وجود الرحلة إلى جزيرة العرب، وسماع اللغة عن الأعراب فيها. يُثبت الغياب شبه الكامل للأدلة النصية أن مزاعم الرحلة والسماع اللغوي لم تكن إلا دعاية عراقية محضة، هدفت إلى إقناع شعوب دولة الخلافة بأن مفهوم الفصاحة الجديد (اللغة الـمُعربة) يمتلك وجودا حقيقيا في مكان ما في جزيرة العرب، لا يمكنهم الوصول إليه، وأن النحاة واللغويين رحلوا إلى حيث يوجد الأعراب (الفصحاء)، وسمعوا اللغة عنهم، ثم عادوا إلى أمصار دولة الخلافة، حيث كانوا يعيشون»(ص 214). فإن نحسن الظن ونلتمس العذر له فهو لا يعلم أن العلوم اللغوية نحوها وصرفها وبلاغتها كانت سابقةً القرن الثاني وهو عصر التدوين الذي وصل إلينا، وأن القواعد اعتمدت على عدد من مصادر السماع منها القرآن الكريم والشعر الجاهلي وما تلاه مما احتُجّ به، وأقوال العرب التي جمعها النحويون واللغويون قبل القرن الثاني، وهذا الأزهري(370ه) يقول عن مصادر معجمه «مِنْهَا تَقْيِيد نكتٍ حفظتُها ووعيتُها عَن أَفْوَاه الْعَرَب الَذين شاهدتهم وأقمت بَين ظهرانيهم سنيَّات، إِذْ كَانَ مَا أثبتَه كثيرٌ من أئمةِ أهل اللُّغَة فِي ا لْكتب الَّتِي ألّفوها، والنوادر الَّتِي جمعوها لَا ينوبُ منابَ الْمُشَاهدَة، وَلَا يقوم مقَام الدُّربة وَالْعَادَة»(5).
ووضع عنوانًا هو «العرب وحقيقة مقدرتهم اللُّغوية: أسطورة (العرب الفصحاء)»(ص 216)، وهو ينفي بهذا عن العرب كلهم الفصاحة بمعنى الإعراب، وراح يعدد بعض الظواهر الخاصة بلغات العرب، ثم قرر آخر الأمر أن «القبائل العربية، إذن ليست فصيحة بالمفهوم العراقي لـ(الفصاحة). لا وجود لأية أدلة تثبت أن أفرادها كانوا يتمتعون بقدرات لغوية استثنائية، أو أنهم كانوا ناطقين بلغة معربة. لقد كانت هذه القبائل ناطقة بلهجات بدوية بسيطة، أو بلهجات بدائية غير مفهومة. حين ظهر الإسلام مع بداية القرن الـ 1هـ / 7م كانت هذه القبائل عاجزة حتى عن نطق اللغة التي نزل بها القرآن بصورة صحيحة؛ ظهرت نتيجة لذلك (القراءات القرآنية). يتضمن مفهوم (القراءة) إشارة واضحة إلى الكيفية التي نطقت بها القبائل العربية حروف القرآن وكلماته. لقد أذن للعرب أن يقرأوا القرآن بلهجاتهم المختلفة تسهيلا عليهم، كما يذكر ابن الجزري (833هـ / 1430م)» (ص 219). والسؤال الذي يثيره هذا النص هو: لم نزل القرآن معربًا وهو مرسل إلى قوم لا ينطقون لغة معربة؟! ولم كان الشعر الجاهلي معربًا، ولولا الإعراب لاختل وزنه واضطرب معناه، وأما حديثه عن القراءات فهو حديث من لا خبرة له بها، فالقراءات على اختلافها ملتزمة بالإعراب.
وبالجملة لا خلاف في مفهوم الفصاحة بين الهمداني وغيره من النحويين واللغويين وشرط الفصاحة الإعراب. ولا يصح الزعم بأن اللغة العربية الفصحى مصطنعة.
**__**__**__**__**
(1) الخصائص لابن جني، 3/ 249.
(2) الخصائص لابن جني، 2/ 7.
(3) الخصائص لابن جني، 2/ 7.
(4) الخصائص لابن جني، 2/ 12.
(5) تهذيب اللغة للأزهري، 1/ 7. وانظر: وفيات الأعيان لابن خلكان. 4/ 334.
(6) الصحاح للجوهري، 1/ 391.