أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
انتهى بنا الحوار في المساق السابق إلى أنَّ الشِّعر العَرَبي عِلْم العَرَب، وفنُّهم الوحيد، وسِجِلُّ تاريخهم، وديوان ثقافتهم، ولغتهم اليوميَّة، وما كانوا ليَدَعوه حتى تَدَع الإبل الحَنين. فقلت لمحاوري (ذي القُروح):
- ولن تَدَعَ الإبل الحَنين، ولن يَدَع العَرَب الشِّعر وثقافته!
- ولن يَدَع العَرَب الإبل وثقافتها أيضًا. حتى إنَّ (أبا تمَّام)(1) يكاد يجعل ممدوحه (محمَّد بن عبدالملك الزيَّات) قَتَب ناقة، أو جَملًا، في أجمل صُوَرِه، أو يجعله دَلْوَ ماء:
وتَحتَ ذاكَ قَضاءٌ حَزُّ شَفرَتِهِ
كما يَعَضُّ بِأَعلى الغارِبِ القَتَبُ
لا سَوْرَةٌ تُتَّقَى مِنهُ ولا بَلَهٌ
ولا يَحيفُ رِضًا مِنهُ ولا غَضبُ
أَلقَى إِلَيكَ عُرَى الأَمرِ الإِمامُ فَقَد
شدَّ العِناجُ مِنَ السلطانِ وَالكَرَبُ
بالرغم من أنَّ حِدَّةً لا تعدو أن تكون «كما يَعَضُّ بِأَعلى الغارِبِ القَتَبُ» ليست بحِدَّةٍ تُذكر، ولا بمدحٍ يُؤثَر، ولا بقضاءٍ يُشكَر!
- هلَّا جعله سيفًا صارمًا، مثلًا؟ لا مجرَّد قَتَبٍ، إنَّما «يَعَضُّ»! وأين؟ «بأعلى الغارب»!
- وقد قيل: إنَّما نقلَ قوله هذا عن قول (نُصيب بن رباح)(2):
هَلْ وَصْلُ غانيةٍ عَضَّ العَشيرُ بها
كما يَعَضُّ بِظهْر الغاربِ القَتَبُ
إلَّا ظنونٌ كوِرْك القَوس إِنْ تُرِكتْ
يَوْمًا بِلا وَتَرٍ فالوِرْكُ منقلِبُ(3)
فأخذ الشطر الثاني برُمَّته، ووقع في فخِّه!
- ولكن شتَّان بين الصُّورة المنسوبة لـ(نُصيب)، وبيت (أبي تمَّام).
- نعم؛ لأنَّ تعبير (نُصيب) مناسبٌ لسياقه، في تصوير ملازمة العشير للغانية، كملازمة القَتَب لغارب البعير. ولقد ذكر أبو تمَّام نُصيبًا في القصيدة، كأنما ليلفت نظر النقَّاد إلى نَظَره في شِعره، وأَخْذِه منه قَتَبه وغاربه، حيث قال -وهو كذلك، كما أشرنا في مقاربة سابقة، ما ينفكُّ يحضره الجنس والنساء والدِّماء، حين يذكر القوافي:
أَمَّا القَوافي، فَقَد حَصَّنتَ عُذرَتَها
فَما يُصابُ دَمٌ مِنها ولا سَلَبُ
مَنَعتَ إلَّا مِنَ الأَكفاءِ ناكِحَها
وكانَ مِنكَ عَلَيها العَطْفُ والحَدَبُ
ولَو عَضَلتَ عَنِ الأَكفاءِ أَيِّمَها
ولَم يَكُن لَكَ في أَطهارِها أَرَبُ
كانَت بَناتِ (نُصيبٍ) حينَ ضَنَّ بِها
عَنِ المَوالي ولَم تَحفَل بِها العَرَبُ(4)
على الرغم من تنصُّله من الأخذ عن غيره، قائلًا، على طريقة «كاد المريب أن يقول خذوني!»:
لا يُستَقَى مِن جَفيرِ الكُتْبِ رَونَقُها
ولَم تَزَل تَستَقي مِن بَحرِها الكُتُبُ(5)
لكنَّ هذا الرَّونق قد عِيب عليه أيضًا. فقال (المعرِّي): إنَّ الجَفير إنَّما هو للسِّهام، وربما سَمَّوه (جَفْرًا). والجَفْر: البئر قليلة الماء، لكنَّها لا تُسمَّى جَفيرًا. واقترح لو قال: «من حَفير الكُتْب»؛ لأنَّ كلَّ بئرٍ حَفير. واقترح (ابن المستوفي)(6) صياغةً إنقاذيَّةً أخرى، هي أن يكون البيت:
لا يُستَقَى مِن خيارِ الكُتْبِ رَونَقُها
ولَم تَزَل تَستَقي مِن جَفْرها الكُتُبُ
ويمكن أن أضيف أنا صياغةً أراها أفضل:
لا يُستَقَى مِن بِحارِ الكُتْبِ رَونَقُها
ولَم تَزَل تَستَقي مِن بَحرِها الكُتُبُ
- غير أنَّ عِلَّة (أبي تمَّام) -إلى جانب (التناص/ التلاص)- تظلُّ إلحاح مفردات البادية على معجمه.
- صحيح. فإذا هي تحضر في بلاط الوزير الممدوح، مصطحبةً حاشيتها من «الغارب، والقَتَب، والعِناج، والكَرَب»، حتى أفضى إلى تصوير (الزيَّات) هكذا، بهذه الصُّورة الكاريكاتوريَّة، قَتَبًا على غارب بعير، أو دَلْوًا يَشدُّ عليه السُّلطان العِناج والكَرَب! ذلك أنَّه ما يفتأ يرى في ممدوحيه بُعرانًا، عليها الأقتاب والأكوار، مقارنةً بالنُّوق من بنات المخاض! كقوله عن ممدوحٍ آخر، سنرى صُوَر مديحه إيَّاه لاحقًا:
تِلكَ بَناتُ المَخاضِ راتِعَةً
والعَودُ في كُورِهِ وفي قَتَبِهْ(7)
- ثمَّ لا أدري ما سِرُّ «الدِّلاء» و«الأرشية» في شِعر (أبي تمَّام)؟!
- حكايتهما حكاية! حتى إنَّهما لا يكادان يفارقان مخيلته وصوره، في ما تبدو لديه وراءهما عُقدة ثقافيَّة ما، تتجلَّى بتكرار ذكرهما. عُقدة أشدَّ ممَّا تتجلَّى عُقدة (ترمب) من (بايدن) بتكرار اسمه في صحوه ومنامه! فالممدوح لديه أو المرثي: «قَليب أو رِشاء قَليب»! يقول مثلاً(8):
• إِذا تَيَمَّمناهُ في مَطلَبٍ
كانَ قَليبًا أَو رِشاءَ القَليبِ!
• فَإِذا ما أَرَدتُ كُنتَ رِشاءً
وإِذا ما أَرَدتُ كُنتَ قَليبا
• ووَرَدناهُ ساحِلًا وقَليبًا
ورَعَيناهُ بارِضًا وَجَميما
• لَم أَزَل بارِدَ الجَوانِحِ مُذ خَضـ
ـخَضتُ دَلوي في ماءِ ذاكَ القَليبِ
• إلى حائِطِ الثَّغرِ الَّذي يورِدُ القَنا
مِنَ الثُّغرَةِ الرَيَّا القَليبَ المُهَدَّما
- كلُّ هذا؟! وكأنَّ (أبا تمَّام) جاءنا سقَّاء ماءٍ لا شاعرًا!
- هذه مجرد أمثلة. ولكن أقلتَ كأنه سقَّاء ماء؟ هو كذلك بالفعل، فقد اشتغل في (مِصْر)، زمنًا في حداثته، يسقي الماء، قبل أن يشتغل بسقي الشِّعر؛ فظلَّت حرفته الأُولى عالقة بمعجمه. فلا عجب من إدلائه بدلائه وأرشيته كثيرًا في تضاعيف ديوانه. وقد عاد لتأكيد تعلُّقه بالدِّلاء في قوله:
بَلَى لَقَد سلَفَتْ في جاهِلِيَّتِهِمْ
لِلحَقِّ لَيسَ كَحَقِّي نُصرَةٌ عَجَبُ
أَنْ تَعْلَقَ الدَّلْوُ بِالدَّلْوِ الغَريبَةِ أَو
يُلابِسَ الطُّنُبَ المُستَحْصِدَ الطُّنُبُ(9)
- كنَّا قد تطرَّقنا في لقاء سابق إلى حكاية الدِّلاء والأرشية، في شِعر (أبي تمَّام)، خلال مدائحه، وقلتَ: إنَّه في بعض مدحه -مستعمِلًا تلك الأدوات- تنطبق على نظرته إلى ممدوحيه المقولة الشَّعبيَّة «الأعور في ديرة العُميان مَلِك»!(10)
- هذا كلُّه في كفَّةٍ وامتداح الوزير (الزيَّات) بتلك الخصلة النادرة -وهي أنه لم يكن يعاني من (البَلَه)- في كفَّة قائمة بذاتها!
- وإذن، لو عزَّر الممدوحُ الشاعرَ على مثل هذا المديح، لما ناله ملام!
- كانت تلك صَنْعَة (أبي تمَّام)، يقفز إلى السماء وسرعان ما ينحطُّ إلى الحضيض!
**__**__**__**__**
(1) (1987)، ديوان أبي تمَّام بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمَّد عبده عَزَّام، (القاهرة: دار المعارف)، 1: 249- 251/ 32- 34.
(2) يُنظَر: (1989)، النِّظام في شرح شِعر المتنبِّي وأبي تمَّام، دراسة وتحقيق: خلف رشيد نعمان، (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام)، 3: 96.
وفيه: «ما وصل غانية عَضَّ العشيُّ بها!» وأخطاء طبعة كتاب (ابن المستوفي) هذه ما أظنُّ لها نظيرًا!
(3) ليس البيتان في ديوان (نُصيب)، الذي جمعه: (داود سلوم). لكنَّهما في (ابن سيده، المخصَّص، (ورك))، غير منسوبَين.
(4) ديوانه، 1: 252- 253/ 39- 42 .
(5) م.ن، 1: 259/ 59.
(6) يُنظَر: النِّظام، 109- 110 .
(7) ديوان أي تمَّام، 1: 273/ 29 .
(8) م.ن، 4: 49/ 13، 1: 171/ 51، 3: 227/ 28، 1: 124/ 30، 3: 234: 9 .
(9) م.ن، 1: 256- 257/ 51- 52 .
(10) يُراجَع المقال بعنوان : «قراءة في شِعر البحتري وأبي تمَّام»، صحيفة «الجزيرة»، 25- 26 ربيع الأوَّل 1447هـ:
https://www.al-jazirah.com/2025/20251017/cm16.htm
** **
(العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)