د. عائشة بنت دالش العنزي
بتفاصيل وملامح إنسانية بسيطة وأحيانا -كثيرة- نقية تشفّ عن قلوب تتعلق بأول خيوط النور التي تجود بها بنت السماء عندما تلقي على أكتاف النهار وشاح الحياة المُحاك ليلا بأنفاس أهل الحي وأحلام صغارهم، وهدوءٍ تنامى على طرقاتهم الهاجعة لا يقطعه إلا عابر إلى قلب المدينة يستهويه المرور من أطول الطرق وأبعدها.. تستهويه هناك أزقة تحكي له خطوات المارين قبله، تحكي له أطيافا مضت ولم تعد، لكنها قطفت الندى من تلك الزوايا التي ترعى العابرين وتتشبث ببعض أسرارهم وتهمس لهم بأسرار المكان وأهله – إن لبثوا قليلا-.
حي شعبي يقبع بعيدا على هامش المدينة، حيّ لازالت الفوانيس فيه تضيء البيوت وتصنع ظلال أهلها وتنعقد أبعاد تلك الظلال بما تستطيع الفوانيس أن تهبه لهم من الضوء.. حيّ لا يزال فيه الزير يحكي لهم قصص البدايات قبل أن يستووا بشرا ويجتمعوا في هذه البقعة من الأرض.
نعم، الأصول واحدة والمصير في هذا المكان واحد ويومياتهم متقاربة جدا، فهم يشتركون في أشياء كثيرة حتى في تناول بعض الوجبات كإفطار رمضان ، كل أهل الحي يجتمعون -الصغار و الكبار، الرجال والنساء- كل يوم في بيت أحدهم، الطعام نفسه لا يزيد عن صنفين والشراب واحد بلونين والصحون من كل البيوت تنقل في اليوم التالي إلى البيت الذي يليه بواسطة الأطفال الذين يجتمعون لإنهاء هذه المهمة وبعدها يسعون في مناكب الأرض يتتبعون ما تتركه الطائرات في أماكن بعيدة عنهم لكنها لم تكن عصية على طفولتهم، فقد كانوا يتسابقون لجمع مغانمهم من الصحون والكؤوس والشوك والملاعق والسكاكين البلاستيكية؛ ليأثثوا بها بيوتهم تحت الأشجار، والأجدر من يجمع أكثر؛ ولهذا كان البعض منهم يذهب مع الفجر؛ ليبدأ الجمع قبل الآخرين، لم تكن بيوت الصغار تسلم من السطو والسرقة فهي عالم صغير يحمل ملامح العالم الأكبر-القوي والضعيف، الظالم والمظلوم-، لكن ما يحدث من مشاحنات تنتهي سريعا؛ لأن لهم مفهوما خاصا للحياة و ولديهم القدرة على اقتناص السعادة وحفظها في أماكن قصيّة في قلوبهم، دونها حصون الطهر وبياض الأرواح.. دونها لقاح حُصِنوا به ليس كأي لقاح! يظهر جليا في الفهم الملائم لسنيهم القليلة وفي دعوات أمهاتهم وهن يُعِدن ما انحسر من أغطيتهم في جوف الليل.
يعودون عند المغيب محملين بنمائم عن بعضهم تغفو معهم وتبقى على وسائدهم عندما يستيقظون.
كان هذا العالم البريء يستقبل دائما أفرادا ويودع آخرين يتلقفهم الآباء والأمهات؛ ليعدوهم لواقع الحياة. يفرح الذكور منهم بمجالسة الرجال وسماع أحاديثهم والسهر حتى التاسعة ومشاهدة التلفزيون الوحيد على بطارية سيارة (حمد) مقابل أن يكون مؤذنهم وإمامهم، يجلسون معا في وسط الحي يرون ما يعرض بالأبيض والأسود، ثم ينقلون كل الأحداث والحكايات إلى نسائهم كلٌ بطريقته؛ ولهذا يتناقضن في الرواية ويكثر اللغط بينهن فكل واحدة منهم تعتمد على فهم زوجها -أو غيره من رجال الأسرة- وقدرته على استيعاب ما يرى وفهم ما يقال باللهجات المختلفة، ثم قدرتها على فهم ما نقل إليها. على هذا النحو كانت تسير وتيرة أيامهم ومفهوم الدهشة بينهم .
الزمن يتسلل من ثقوب جدرانهم منداحا بين الأزقة الضيقة التي تعرقله لكنها لا توقفه، بل تهب لمروره صوتا غريبا يمزج بين الحفيف والفحيح يحرك صرير الأبواب والنوافذ المسكون بنبض الأشجار ونشيج الصحراء وهي تشيّع أشلاءها وبعضا منها، روح الصحراء لا تفارق المكان تطل عليهم مع الشمس عندما تخترق السقوف المنضدة سعفا والجدران المترعة طينا.
تمضي الأيام والأحداث نفسها، والتفاصيل ذاتها، لكنهم لا يشعرون بالرتابة ولا يعرف الملل طريقا إلى قلوبهم؛ لأن طبيعة الإنسان الصافية الأقرب إلى الفطرة..البعيدة عن الجشع والطمع تحتضن المكان وأهله.
ولكن لكل بداية نهاية ويعقب الشروق تمتمات الغروب وحشرجات الشفق تتبعهما قنطرة من الظلام -تطول أو تقصر- تأخذهم إلى فجر جديد ابتدأ بيوم الخميس الذي كان مختلفا عن كل الأيام؛ إذ بدأ بصوت (مستور) مؤذنا وقد اعتادوا صوت (حمد) استيقظوا على ضجيج غريب، خرج الرجال وهم يعلمون ما يحدث -بعد أن أخفوه عن صغارهم - وفُتِحَت نوافذ البيوت وأطلت منها قلوب النساء الباكية لفراق جارتهن وأولادها بدأوا بمراقبتهم وهم يفرغون بيتهم من كل ذكرياتهم مستجيبين لصوت يأخذهم بعيدا عن هذا المكان وعن هذا الزمان.. يدعوهم إلى وسط المدينة! إلى حياة أخرى لا تتشبه ما يعيشونه- ولتستمر الحياة يجب ألا تشبهه-، فمرحلة العبور وترك المألوف يعبث بأنس الأرواح ..يقتات هدوءها لكنه من لوازم الوجود، فالسباحة في برك الضوء وبَذْرُ وميض النور؛ ليُشِعّ من أحشاء الأرض ويصل إلى جوف السحاب ودقا يؤب إلى أديمها، فتربو به وتخضرّ بياضا؛ تحتاج اجتياز وجع الفراق والاعتياد، وكسر حواجز الرهبة من المجهول.
انتهى حمد وأسرته من حمل أشيائهم ثم لوّح بكفه للواقفين ينظرون إلى مشهد الرحيل، وقد ابتعد كثيرا عنهم؛ حتى لا يستسلم لنظراتهم وما تقوله عيونهم، ترك المكان ومضى، وكأنه بهذا يغرس الأشواك في قلوبهم ثم ينتزعها.. لقد لملم نبرات صوته المرتبطة بفروض يومهم وصيامهم، بل بكل أوقاتهم.. وحمل معه تيمة أنسهم ونافذتهم على الحياة، فذلك الصندوق المدهش لن يعمل مرة أخرى. اصطفوا وهم يودعونه ويرقبونه حتى ابتعد كثيرا وبدت سيارته صغيرة تتجاذبها أمواج السراب إلى الضفة الأخرى.
يقال دائما: وجع الفراق يحمل معظمه من بقي لا من رحل، فالمكان بسلطته يوقظ الحنين فتنبجس الذكريات تجوب مع الدماء أينما حلت وتتشبث بأنفاسهم شهيقا وزفيرا وتجثو على حناجرهم غصصا.
هكذا تفرقوا وأفسحوا الطريق لأنثى العنكبوت!
** **
- أستاذ الأدب والنقد المشارك بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن.