سام الغُباري
يُكرّر عيدروس الزبيدي، من عدن، ما فعله علي سالم البيض في المدينة ذاتها، وهو التكرار نفسه الذي أودى بحياة الرئيس السابق علي عبدالله صالح، عقب إعلانه تحالفًا سياسيًا هشًا مع ميليشيا سُلالية مغلقة. تحالفٌ أفضى إلى ما سُمّي بـ«المجلس السياسي الأعلى للحوثيين» في 28 يوليو 2016، قبل أن يُنصَّب صالح الصمّاد رئيسًا له في 6 أغسطس من العام نفسه، ويؤدي أعضاء المجلس الانقلابي اليمين الدستورية في مجلس النواب غير الشرعي بصنعاء يوم 14 أغسطس 2016.
وبعد أربعة عشر شهرًا فقط، قُتل علي عبدالله صالح على يد حلفائه، وقُتل الصمّاد لاحقًا بقصف جوي في 19 أبريل 2018، في نهاية عملية أنهت عمليًا ذلك التحالف غير المتجانس، وأسقطت وهم الشراكة السياسية مع مشروع قائم على الغلبة والسلاح.
ومن الرياض، كان الرئيس عبدربه منصور هادي يراقب تلك الأحداث والانقلابات المتلاحقة، وكأنه يعيد مشاهدة مشهدٍ سبق أن مرّ به اليمنيون. تكرارٌ لافت لم ينتبه له عضو مجلس القيادة الرئاسي عيدروس الزبيدي، الذي أعلن عن «انقلاب آخر» من داخل عدن، مستعينًا بموظفين حكوميين قدّموا استقالاتهم علنًا على الهواء، وأعلنوا انضمامهم لما سُمّي «دولة الجنوب العربي».
غير أن هذه الدولة المعلنة لا تمتلك أي اعتراف قانوني، أو حقوقًا سيادية معترفًا بها عربيًا ودوليًا، والأهم إقليميًا، كما أنها لا تستند إلى إطار دستوري أو توافق وطني. وهكذا يتكرّر المشهد ذاته: إعلان سياسي بلا شرعية، استبدل الدولة بالقطيعة، وسينتهي إلى المصير ذاته الذي انتهت إليه تجارب سابقة، حين يُعاد إنتاج الخطأ بوصفه خيارًا لم يُقرأ.
لقد جرّبنا في اليمن مرارًا الخروج من الملعب الجغرافي. ذهبنا إلى أقاصي سيبيريا بحثًا عن نظام شيوعي، وغادر بعضنا إلى العراق وسورية ليكون بعثيًا، فيما اجتاز آخرون البحر ليؤدوا ولاءً طائعًا لفكرتين متناقضتين: الناصرية والإخوان.
وكل تجربة من هذا النوع كانت تُريق دمًا، وتُنتج فوضى سحيقة، وتعيد اليمن إلى العصور الوسطى بقذيفة مدفع. انتشرت الاغتيالات، وترسّخت الأنظمة البوليسية، ثم، بعد كل هذا الخراب، رحلوا جميعًا، مثقلين بالدماء وحدها.
عندما قرأ عيدروس الزبيدي، أمام مجلس النواب الشرعي، قسم المنصب الذي ناله عقب إعلان نقل السلطة من الرئيس المنتخب عبدربه منصور هادي، غابت عن خطابه عبارات من قبيل حماية الجمهورية والوحدة. كان الغياب دالًا، ويشي بعدم الاعتراف بهما، ومع ذلك لم يعترض البرلمانيون. قلت يومها لصديقٍ أهوج: لقد جرّب علي سالم البيض الخروج على الدستور وفشل. من ينتصر في اليمن يصل إلى منصب الرئيس، أما النائب فيفشل دائمًا في أي انقلاب.
هذا ما حدث لعلي سالم البيض، وما حدث لعلي عبدالله صالح في تحالفه مع ميليشيا الحوثي، حين أصبح صادق أبو راس نائبًا للصمّاد، وما سيحدث مع عيدروس الزبيدي، الذي رأى أن مليار درهم، كانت مخصصة لتشغيل الطاقة في المناطق المحررة، تكفي لإعلان دولة لا وجود لها خارج الوهم السياسي.
وبالعودة إلى الموقف الإماراتي تجاه المملكة، نذكر أنها سابقًا كانت أعلنت روايتها الحصرية عن تحرير الجنوب في ثلاثة كتب ألّفها مايكل نايتس، من دار النشر بروفايل بوكس ليمتد، في يناير 2023، كانت الإمارات فيها البطل الحصري لعملية تحرير الجنوب اليمني من الميليشيا الإيرانية الحوثية، وهذا التدوين خطير وقاتل وغير صحيح. أرسلته في حينه إلى بعض الأصدقاء، وكتبت رسالة قصيرة مفادها: إنهم يدوّنون التاريخ الآن.
لا بأس، يجب أن نكتب جميعًا روايتنا، وندوّن كل شيء على الورق، ومن لا يفعل ذلك ستنهار قصته الحقيقية بعد أعوام قليلة. وهي القصة ذاتها التي كان على علي سالم البيض وعلي عبدالله صالح روايتها، كي لا يكرّر من جاء بعدهم ما فعلوه، ويقع الجميع في الحفرة ذاتها.
السؤال، هل سينجح الانفصال في اليمن؟ الإجابة: لا.
السؤال التالي: ما الذي سيحدث إذًا؟ الإجابة: مزيدًا من العنف والكراهية التي ستستمر لسنوات، حتى يأتي الربيع لتزهر الورود من جديد.
السؤال: ما هو الحل؟
الإجابة: أن يقرأ الجميع كي لا يقعوا مرة أخرى.
شكرًا
العفو
إلى لقاء يتجدّد
رئيس مجلس إدارة مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر - رئيس التحرير