العميد م. أحمد حامد الوادعي
على مدى عقود طويلة شكّلت المملكة العربية السعودية ركيزة أساسية في دعم اليمن دولةً وشعبًا؛ انطلاقًا من روابط الجوار وعمق العلاقات التاريخي وإحساسها بالمسؤولية تجاه أمن واستقرار المنطقة. ولم يكن هذا الدور وليد لحظة سياسية عابرة بل نهج ثابت تجسّد بوضوح منذ انطلاق عملية عاصفة الحزم التي جاءت استجابةً لطلب الحكومة اليمنية الشرعية في ظل ظروف استثنائية هددت كيان الدولة اليمنية ومؤسساتها.
وقدّمت المملكة في هذا السياق تضحيات كبيرة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، واضعةً نصب عينيها هدفًا واضحًا يتمثل في دعم الشرعية ومنع انزلاق اليمن إلى مزيد من الفوضى، وحماية الأمن الإقليمي من تداعيات صراع طال أمده وأثّر في استقرار المنطقة ككل.
وفي الوقت الذي تمضي فيه المملكة بخطى واثقة نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030 بقيادة سمو سيدي صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- يبرز تساؤل مشروع حول بعض الممارسات الإقليمية التي لا تنسجم مع مقتضيات العمل العربي المشترك وتسهم بقصد أو بغير قصد، في تعقيد المشهد اليمني بدل الدفع نحو حل سياسي شامل ومستدام.
فقد شهد جنوب اليمن خلال السنوات الأخيرة بروز قوى محلية مسلحة تحظى بدعم خارجي من حكومة أبو ظبي في سياق تنافس سياسي وأمني معقّد؛ لهدف وجود نفوذ لها في محافظات ذات أهمية استراتيجية مثل حضرموت والمهرة. وهذه التطورات التي أصبحت محل نقاش واسع في الأوساط السياسية والإعلامية تثير مخاوف حقيقية بشأن وحدة اليمن ومستقبله، وتفرض على جميع الأطراف مراجعة السياسات المتبعة وتغليب منطق الدولة ومؤسساتها على منطق الفصائل والمليشيات.
في الحقيقة تنطلق المملكة العربية السعودية في تعاملها مع الملف اليمني من مبدأ راسخ مفاده بأن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن استقرار المنطقة لا يمكن تحقيقه إلا من خلال احترام سيادة الدول، ودعم حكوماتها الشرعية ورفض أي محاولات لتكريس الانقسام أو فرض واقع سياسي بالقوة.
كما أن التجارب الإقليمية في أكثر من دولة عربية تؤكد أن التدخلات غير المدروسة أو التي تُدار بمنطق المصالح الضيقة، غالبًا ما تؤدي إلى إطالة أمد الصراعات وتفتح المجال أمام مزيد من عدم الاستقرار، وهو ما يجعل الحوار والتنسيق والعمل المشترك السبيل الأقرب إلى حلول واقعية ومستدامة.
ولا يقل أهمية عن ذلك التدخل دور الخطاب الإعلامي والسياسي الذي يصدر من بعض المغردين من طرف الجهات الداعمة لتلك المجموعات الخارجة والتي تزيد العنترية لتلك المجموعات الخارجة عن السيادة الحكومية، وكان الأولى أن يتسم بالمسؤولية والاتزان وأن يبتعد عن الإيحاءات أو التصريحات التي قد تُفهم على نحو يسيء للعلاقات بين الدول الشقيقة. فالكلمة في زمن الأزمات قد تكون جسرًا للتقارب كما قد تتحول إلى عامل توتير إذا غابت عنها الحكمة.
ختامًا ستظل المملكة العربية السعودية ثابتة في مواقفها حريصة على دعم الشرعية في اليمن ومتمسكة بنهج الحكمة والدبلوماسية وماضية في مسيرتها التنموية بثقة. فاستقرار المنطقة مسؤولية جماعية ولا سبيل لتحقيقه إلا بتكامل الجهود واحترام الثوابت وتغليب المصلحة العربية العليا على أي اعتبارات أخرى.