د. علي بن فايز الجحني
تتعثر الحروف، وتخفت الأصوات، حين يكون الحديث عن رجل لم يكن حضوره عابراً، ولا أثره مؤقتاً. رجل عرفته لا من موقع الوظيفة، ولا من تسلسل الإدارة، بل من فضاءات المؤتمرات والندوات ومجالس الفكر حيث تعرف القامات بعمقها لا بمناصبها.
عرفت معالي الأستاذ الدكتور محمد بن علي العقلا -رحمه الله- من خلال المؤتمرات والندوات العلمية والإستراتيجية التي كانت الجامعة الإسلامية تنظمها، وكان يشرف عليها بروح المربي وقلب الإنسان. وكنت آنذاك وكيلاً لجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية للشؤون الأكاديمية، برفقة نخبة من قيادات وأساتذة جامعات المملكة، نحضر من الرياض، فنجد في استقباله دفئاً يسبق البروتوكول، واهتماماً يتجاوز الرسميات.
وفي كل مؤتمر أو ندوة، كان يحرص -رحمه الله- على أن يأتي بنفسه إلى الفندق الذي أنزلتنا فيه الجامعة، يتفقد أحوال المشاركين، ويسأل عن راحتهم، ويتبسط في الحديث معهم، وكأنما يريد أن يؤكد أن الضيافة خلق، وأن القيادة حضور قبل أن تكون قراراً.
وكان حريصاً على أن تتضمن البرامج زيارات لأهم المعالم والمواقع في المدينة المنورة، ليغادر الضيف وهو يحمل من سكينة المكان وروح المدينة بقدر ما حمل من ذكريات، وعلم، وفكرة.
لم تكن هذه الروح الإنسانية منفصلة عن مسيرته العلمية والإدارية؛ فقد تقلد -رحمه الله- مناصب أكاديمية رفيعة من أبرزها إدارته للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقبل ذلك عمل وكيلاً لجامعة أم القرى للدراسات العليا والبحث العلمي، وعميداً لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ورئيساً لقسم الاقتصاد الإسلامي بجامعة أم القرى، إضافة إلى عضويته في عدد من اللجان العلمية والوطنية. وهي مسيرة تشهد على عقل إداري ناضج ورجل دولة جمع بين العلم والمسؤولية، وبين المنهج والإنسان.
وأينما حل أبو طارق -رحمه الله-، وأسندت إليه مهمة أو منصب أو عهد إليه بعمل أو لجنة، أو استشارة، أبدع وأخلص وتفاني وبذل، فكسب محبة كل من عمل معه. كان حضوره نفعاً، وأثره خيراً، وسيرته شهادة ناطقة وما تمتع به فقيدنا من صفات وأعمال يغبطه عليها كثيرون، وقل أن تجتمع في رجل واحد.
كان التواضع مفتاح شخصيته، وجسر تواصله مع الجميع.
وإلى وقت قريب، ظل التواصل قائماً بيني وبينه، يطيب الحديث معه عن الذكريات والمواقف وأيام العمل فيبادر بالرد، وتأتي كلماته صادقة دافئة، لا تغيرها الأيام. ولا غرابة في ذلك، فالطيب لا يستغرب منه الطيب، فقد كان امتداداً طبيعياً لتلك الأرومة الكريمة، ومن أسرة عرفت بالعلم والأخلاق، والإخلاص، والعطاء.
ومن صفاته التي لا تخطئها العين الصبر على البلاء والشدة، والبذل والعطاء في السراء والضراء، وكسب محبة الآخرين، وما أكثرهم، والولاء الصادق لوطنه وولاة أمره، وروح الفكاهة التي يخفف بها عمن حوله، ويفرج بها هموم الآخرين، فيجمع بين الجدية في العمل والإنسانية في التعامل.
ولم أعمل تحت إدارته، ولم أكن من منسوبي الجامعة الإسلامية، غير أني شهدت عن قرب إنسانية القائد، وسمو الخلق، وحكمة الإدارة التي تبدأ بالإنسان وتنتهي به، فكان مثالاً للقائد الذي يحب فيُحب، ويخلص فيُخلد. وقد سمعت ممن عملوا معه ما يصدق فيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنتم شهداء الله في الأرض»، وما ذاك إلا لأن الله إذا أحب عبداً ألقى محبته في قلوب خلقه.
ومن أصدق ما يشهد له بالخير حسن تربيته لأبنائه، فقد سار في ذلك على نهج والده، الذي لم يكن إرثه مجرد اسم يتوارث، بل كان مدرسة في القيم، ومثالاً في الأخلاق، ومنهجاً راسخاً في السلوك والمواقف. فانعكست تلك التربية في أبنائه استقامة ووعياً، وأدباً ومسؤولية، ليكونوا امتداداً مشرفاً لسيرة طيبة، وغرساً صالحاً أينما حلوا، وشهادة حية على أن حسن التربية أعظم ما يخلده الآباء بعد رحيلهم.
ومن أشد المواقف وقعاً في النفس، تلك الرسالة التي كتبها -رحمه الله- عن المدينة وأهلها، حيث كتبها من خلال تجربة عاشها في مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سنوات، فكانت رسالة صادقة خرجت من القلب تذرف منها الدموع قبل الحروف، فكانت وداعاً يليق برجل عاش مخلصاً، وغادر وفياً، وترك خلفه محبة صادقة لا تصنعها المناصب ولا تمحوها الأيام.
يبقى الأمل أن تلتفت الجامعتان الجامعة الإسلامية وجامعة أم القرى، اللتان أفنى عمره في رحابهما، إلى تخليد اسمه بما يليق به من خلال تسمية إحدى قاعاتهما باسمه، إضافة إلى التنسيق مع الجهات البلدية المختصة لتسمية أحد شوارع مكة المكرمة أو المدينة المنورة باسمه، أو أي صيغة أخرى تحفظ أثره، فهو اسم اقترن بالعلم والإدارة، والأخلاق، وشخصية لا تنسى.
رحل الجسد، وبقي الأثر، وبقي الاسم، وبقيت السيرة مدرسة، تشهد أن بعض الرجال لا يموتون، لأنهم يسكنون القلوب قبل أن يسكنوا الأرض.
رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدم رفعة في درجاته، ونوراً في قبره، وعزاء جميلاً في قلوب محبيه.
** **
- وكيل جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية سابقاً