د. هيا بنت عبدالرحمن السمهري
الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية (جستن) التي تأسست عام 1985/ 1405 في محضن تربوي تعليمي حفي وقور في جامعة الملك سعود وامتد حراكها التربوي إلى آفاق مكانية أخرى فكانت «جستن» منذ الأزل الصديقة العريقة للتعليم التي تشرع أبوابها لتلتقط وجيب أمنيات التعليم ومعاناته! فعكستْ «جستن» في عموم حراكها التربوي اهتمام بلادنا الغالية بالتعليم لحيازة السبق والنجاح وصناعة الإنسان السعودي الناجح المنافس عالميا ..
ودائما ما تبحث «جستن» وعقولها الوافرة عن مستودعات الذخائر المعرفية وجديد التعليم والتعلم وتستشرف متطلبات التنافسية التي تدفع التعليم السعودي للتميز المستمر والتموضع الصحيح مع حراك بلادنا الذي علا وتعالى حتى عانق فضاءات العالم في السياسة والاقتصاد وسيرورة الحياة، ولقد أصبحتْ الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية «جستن» راصدا بصيرا للتحولات في التربية والتعليم محلياً ودولياً التي غدت متكأ لصناعة جودة الحياة التي يحققها التعليم بمفهومها الواسع!
كما أدركتْ «جستن» باقتدار ووعي العلاقة بين محتوى ما يتعلمه المتعلمون وأساليب التدريس ووسائطه فتوصلت «جستن» إلى مفهوم التحول الكامل في عمليات التلقي التي تستهدف الطلاب ثم عزمتْ فحملتْ أدوات الإصلاح الأخرى في المنهج والنتيجة بكل اقتدار وقدرة؛ ومواكبة التطور المذهل فيما يقدم للعقل البشري ولم تكن لهذه الجمعية السعودية العلمية التربوية العملاقة «جستن» منذ تأسيسها علاقة ملزمة بالأوراق والقرارات الرسمية المتعلقة بضبط التعليم وانضباطه لكن «جستن» تستجيب وباقتدار لكل النداءات المخلصة لترقية التعليم السعودي فتطل «جستن» من نوافذ المؤسسات التعليمية بشغف وفير ووجل أحيانا! ولقد حاكتْ «جستن» ثيابا وافية لتحقيق الوعي من خلال المعرفة وتحقيق النجاح من خلال اندماجها بمحركات الحياة وتحقيق الفهم الأمثل الصحيح لقيادة الذات نحو النجاح والتميز ومن ثم المنافسة وضمان الاستواء على سوق مراكب العلم والعالم.
ومن جديد «جستن» ومركز التميز البحثي في تطوير تعليم العلوم والرياضيات إقامة مؤتمر ذي كثافة بحثية نضرة في أواخر الشهر الماضي (23-24 ديسمبر 2025) بعنوان (نحو مستقبل تعليمي منافس عالميا) تحت رعاية كريمة من معالي رئيس مجلس إدارة جامعة الملك سعود الأستاذ يوسف بن عبد الله البنيان « عندما أجازتْ «جستن» للبحث العلمي أن يدخل إلى رواقها المضيء ليعطي وارفا ويستنطق واقعا ويستثمر عقولا مقبلة جافاها التأطير السليم الذي تسعى «جستن» إليه لتبني عليه أبراجها وقد تكون بوارجها إذا استدعى الحال فيتشكل الجسر المتين!
والحقيقة أنني كتبت مقالي هذا من نتاج حضوري للمؤتمر ومما كنتُ أستمع في المؤتمر الموقر من طروحات ملأى بما ينير المستقبل، وكذلك من إجابات القائمين على الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية «جستن» ومركز التميز البحثي لتطوير تعليم العلوم والرياضيات «أفكر» ومن العقول الفذة الخبيرة حتى يحالفني التوفيق لصياغة انطباعي عن المؤتمر؛ فالمؤتمر ليس جديدا على مألوفنا! لكنه ساقنا إلى تنظيم فكري عملي حديث للترقي بالتعليم السعودي إلى المنافسة عالميا، فكان المؤتمر في مضمونه حصادا بحثيا مجزيا يفتق التساؤلات صحبته دورات تدريبية تربوية غمرتْ الأذهان بفيوض من الخبرات التطبيقية المقنعة. وورش تؤطر لما يجب أن يكون عليه زاد المستقبل من المعرفة والمهارات الداعمة ولأن المحصلة والمستهدف هو تعزيز شخصية المتعلمين ليُروا عقولهم كما يجب أن تكون العقول السعودية، فيلزمنا شكل جديد يركز على اتساع وتراكم الوعي الذي يتم من أجل نقل المعرفة المجردة بعد ضخ الحياة والحركة في إهابها لصناعة المتعلم الكفؤ الذي ينشده الواقع التنموي، فالثورة التعليمية الجديدة إنما هي تطوير للفكر الإنساني عند المتعلمين حيث إنه المحرك للثروة البشرية وتشكيل عقلية نامية قادرة على مواجهة التحديات ومواكبة الواقع العالمي وتمتين مهارة الاستدلال فهي مفتاح الاستيعاب الصحيح ولما أن «جستن» ومركز التميز البحثي «أفكر» ضمَّنا مؤتمرها التربوي حزمة من أوراق العمل فقد أكدَّا أيضا أن التغيير لابد أن يمس وعي المتعلمين وحسهم وفكرهم تجاه الحياة ولأن الدوائر المحيطة بواقع المتعلمين في سباق لصناعة التفوق وفق رؤية عميقة، وأن كل الفضاءات مفتوحة على الممكن والمتاح.
ولا علاقة للحكم بضعف المخرجات بما يتداوله الناس، وإنما هي نتاج قياس محلي وعالمي من خلال البحوث التقويمية حيث احتفى المؤتمر «بالتقويم والاختبارات التحصيلية ضمن ما طُرح في المؤتمر وكان سياقا بحثيا وطرحا يبشر بخير! وفي عهود الإصلاح عموما يتصدر المقومون الأرض والتعليم إذا فاء التقويم فاء، ونجزمُ أن التقويم الصحيح يولد الاقناع الوطني بأننا نحقق تقدما! ولقد أُحِيطَ مؤتمر «نحو مستقبل تعليمي منافس عالميا» بحزمة مقدرة من المحاور وثيقة الصلة بالتعليم الحديث فأبرزت في ثنايا المؤتمر التوجهات المستقبلية للتحول للتعليم المنافس والتقنية في البيئات التعليمية المنافسة والتحديات والفرص التي تواجه التعليم المنافس.
ومن ثمّ استعرض المؤتمر التجارب والممارسات التعليمية المميزة وتصدر البحث والابتكار والإبداع متن طروحات المؤتمر وكان للتنمية المهنية صوت مؤطر مبرر في المؤتمر لإعداد الكوادر التعليمية المحققة للتنافسية وفي ذلك السياق نؤكد أن التنمية المهنية لابد أن تكون جزءا من الصيغة المؤسسية وأن ندرك أن التبدلات الإيجابية في السلوك التعليمي تبدأ بفهم فلسفة التدريب!
كما احتوى المؤتمر على رصد بحثي مجزٍ عن الذكاء الاصطناعي ودعم التعلُّم من خلاله فهو ليس جداراً إنما هو جسر لتسهيل المرور للمستقبل وتحسين نواتج التعلُّم! ويُحمدُ للمؤتمر التربوي مروره الغزير جداً في نقاشات جلسات كاملة عن التوجهات المستقبلية للتعليم الخاص واستعراض الفرص والتحديات التي تحقق تعليم تلك الفئات، من منظور أن التنافسية مهمة من خلال المقاييس والمعايير الدولية، ومما يستدل به على ذلك برنامج تنمية القدرات البشرية الذي يدخل وبقوة في تحقيق المنافسة عالمياً بنواتجه في كل المجالات يتصدرها التعليم.
ورصد المؤتمر في ختام جلساته حزمة من التوصيات شملت تطوير المناهج والبرامج التعليمية وترقية مستوى المعيار القيمي في المناهج التعليمية لأنها بوابة التعليم الكبرى التي يتشكل من خلالها الوعي وكان للتنمية المهنية توصية مجزية من خلال تسويق الثقافة المعرفية في عمليات التطوير، ومن ثم إحداث التأثير وركزت توصيات المؤتمر على توظيف التقنية والذكاء الاصطناعي في التعليم باعتبارهما العقول الصناعية المتاحة التي تساند العقل البشري وأعطى المؤتمر توصية ودودة لدعم المعرفة في الطفولة المبكرة والتعليم الأساسي والتعليم الخاص، ودعم فرص الاستثمار في التعليم وترقية واقعه بما يحقق دعم المعرفة ومحاضنها.
وختاماً، يعد مؤتمر «نحو مستقبل تعليمي منافس عالميا» الذي نفذته جستن ومركز التميز البحثي لتطوير تدريس العلوم والرياضيات تجربة علمية ثرية تميزت بجودة الطرح ودقة التنظيم وقناعة المتحدثين بما تحدثوا عنه وحماسهم للتحول للتنافسية العالمية في التعليم من أجل المستقبل وليس من أجل منافسة الدول واستدلوا من خلاله على أن التنافسية مهمة من خلال المقاييس والمعايير الدولية.. فكان حضور المؤتمر إضافة وافرة للتربية والتعليم والجهود التي بذلها الأساتذة الموقرون في الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية «جستن» ومركز التميز البحثي لتطوير تدريس العلوم والرياضيات «أفكر» ظهرت وبجلاء في كل تفاصيل المؤتمر وزواياه شكلاً ومضموناً.
«وعند الصباح يحمد القوم السُّرى»