د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
لم يعد الذكاء الاصطناعي أداة هامشية تُستخدم لإنجاز المهام التقنية فحسب، بل أصبح -لدى كثير من الناس- مرجعًا يوميًا يُستفتى في كل صغيرة وكبيرة؛ من اختيار المسار الدراسي، وكتابة الرسائل، وتفسير الأحداث، وحتى اتخاذ القرارات المالية والصحية. ومع هذا الانبهار المتزايد، تبرز أسئلة عميقة: هل تحوّل الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية؟ وهل يمكن أن يهدّد هذا الاعتماد قدرة الإنسان على التفكير المستقل وصناعة القرار؟
أولًا: الذكاء الاصطناعي.. من أداة إلى شريك معرفي
التطوّر السريع في تقنيات النماذج اللغوية جعل الذكاء الاصطناعي قادرًا على:
- فهم اللغة البشرية وإنتاج نصوص عالية الجودة.
- تحليل البيانات وتقديم توصيات دقيقة.
- محاكاة الخبرة البشرية في مجالات متعددة.
هذا التقدّم أوجد لدى الكثيرين قناعة بأن الذكاء الاصطناعي أسرع، وأدق، وأقل خطأً من الإنسان، مما رسّخ علاقة جديدة معه: علاقة استشارة دائمة. وهكذا تحوّلت الأدوات الرقمية إلى عقول مساعدة تملأ فراغات الخبرة، وتوفّر حلولًا جاهزة دون جهد يذكر.
ثانيًا: لماذا يتزايد اعتماد الأفراد عليه؟
هناك أربعة أسباب رئيسية وراء ظاهرة الاعتماد المتزايد:
1 - البحث عن السرعة وتجاوز التعقيد
العصر الحديث يضغط على الإنسان بالمهام المتراكمة والقرارات المتعددة. وهنا يبدو الذكاء الاصطناعي طريقًا مختصرًا يوفر الوقت والجهد.
2 - ضعف الثقة في المعرفة الذاتية
كثير من المستخدمين يشعر أن التكنولوجيا «تعرف أكثر» منه، خاصة مع وفرة المعلومات وصعوبة التحقق من صحتها.
3 - الراحة العقلية
عندما يقدّم الذكاء الاصطناعي إجابة جاهزة، فإن الإنسان يميل إلى قبولها لأنها تؤمّن له نوعًا من الطمأنينة المعرفية.
4 - التثقيف الرقمي المحدود
غياب الوعي بحدود الذكاء الاصطناعي يجعل البعض يظن أنه قادر على معرفة كل الحقيقة في كل مجال.
ثالثًا: الوجه الآخر لهذا الاعتماد
رغم الفوائد الهائلة، إلا أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي «في كل شيء» ، يثير عددًا من المخاطر:
1 - تراجع مهارات التفكير النقدي
عندما يعتمد الفرد على إجابات جاهزة، تتقلص قدرته على التحليل والتأمل والمقارنة، فتضعف ملكته العقلية بمرور الوقت.
2 - استبدال الخبرة البشرية
المختصون في الطب، القانون، التعليم، والبحث العلمي يؤكدون أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محل الحكم البشري الذي يبنى على التجربة، الأخلاق، والسياق.
3 - مخاطر المعلومات الخاطئة
النماذج الذكية قد تقدّم أحيانًا معلومات غير دقيقة أو قائمة على افتراضات، ومن يعتمد عليها دون مراجعة قد يتخذ قرارات مضللة.
4 - تآكل الخصوصية
كلما ازداد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ازداد تدفّق البيانات الشخصية إليه، مما يثير أسئلة حول حفظ الخصوصية وأمن المعلومات.
رابعًا: كيف نتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوعي؟
لا يقتضي النقد هنا رفض التقنية، بل استخدامها بميزان حكيم:
1 - اعتمد عليه مساعدًا لا بديلًا عن عقلك.
2 - تحقّق من كل معلومة في المصادر الموثوقة، خصوصًا في القضايا العلمية والشرعية والطبية.
3 - نَمِّ مهاراتك الذهنية بالقراءة، التحليل، والبحث؛ فالاعتماد الكلّي يضعف الذكاء البشري نفسه.
4 - احمِ خصوصيتك واختر المنصات الآمنة.
5 - علّم الأجيال أن الذكاء الاصطناعي أداة، لا هوية ولا عقلًا مكتملًا.
خاتمة:
الذكاء الاصطناعي ليس خطرًا بذاته، بل الخطر يكمن في التسليم الكامل له. نحن أمام مرحلة جديدة يُختبر فيها وعي الإنسان وقدرته على التوازن بين العقل البشري والعقل الآلي.
التقنية ليست بديلًا عن الإبداع، ولا عن الأخلاق، ولا عن البصيرة؛ لكنها قد تصبح - إن أحسنّا استخدامها - قوة إضافية تعين الإنسانية على بناء مستقبل أوسع معرفة وأكثر حكمة.