مجيب الرحمن بن عثمان
ليست البطولة في المملكة العربية السعودية طارئًا يُستدعى عند الحاجة، ولا لحظةً استثنائية تُروى ثم تُنسى، بل هي نسقٌ راسخ في وجدان الوطن، يتوارثه الأبناء كما يتوارثون القيم، ويتجلّى حين يستدعي الموقف صدق الانتماء ونُبل التضحية.
فهذا الوطن، منذ تأسيسه، لم يتكئ على الجغرافيا وحدها، بل على إنسانٍ صيغت روحه على المسؤولية، وتشكّل وعيه على الإخلاص، ونما في ظل قيادة جعلت الإنسان قبل المنجز، والواجب قبل الامتياز.
وفي كل مرة يظن أن البطولة بلغت منتهاها، ينهض اسمٌ جديد ليؤكد أن هذه الأرض لا تزال ولادة بالرجال.
وما قام به رجل الأمن في الحرم المكي الشريف ريان العسيري لم يكن بحثًا عن بطولة، ولا طلبًا لإشادة، بل كان فعلاً واجباً خالصاً، نابعًا من ضميرٍ حيٍّ ومسؤوليةٍ راسخة.
فحين ألقى أحد المعتمرين بنفسه من الأدوار العلوية في الحرم المكي الشريف، لم يتردّد ريان العسيري، بل سارع بكل شجاعة ليحول دون ارتطامه بالأرض، مقدّمًا سلامة الإنسان على سلامته، والواجب على الحساب، والرسالة على الخوف.
ذلك المشهد لم يكن اندفاع لحظةٍ عابرة، بل خلاصة مسارٍ طويلٍ من القيم؛ فهؤلاء الرجال لم تُصنع بطولتهم في لحظةٍ عابرة، بل صاغتها تربية وطنية راسخة، وانضباطٌ عسكريٌّ صارم، وإيمانٌ عميق برسالة الأمن، وولاءٌ ثابتٌ للوطن وقيادته؛ فكانت بطولتهم امتدادًا لقيمٍ ترسّخت، لا نزوةَ موقفٍ عابر.
ريان العسيري ليس استثناءً في سجل الوطن، بل صفحة ناصعة في كتابٍ ممتد من التضحية.
رجال آمنوا بأن خدمة الحرمين شرفٌ لا يُضاهى، وأن حماية ضيوف الرحمن عبادة، وأن الأمن رسالة تُؤدّى بالفعل قبل القول، وبالثبات قبل الادّعاء.
هؤلاء لم تصنعهم الصدفة، بل صاغتهم:
قيمٌ وطنية متجذّرة، ومدارس أمنية صارمة، وثقافة ولاء لا تعرف التردّد، وشعور عميق بأن الوطن أمانة تُصان بالفعل لا بالشعار.
وطنٌ لا تختزل بطولته في ميدان.. المملكة العربية السعودية لا تُنجب أبطالًا في الميدان الأمني والعسكري فحسب، بل تقدّم للعالم نماذج مشرّفة في:
العلم، حيث يتقدّم أبناؤها الصفوف ويحصدون الجوائز
الرياضة، حيث ترتفع الراية في المحافل الدولية.
الاقتصاد، حيث تُصنع التنمية وتُدار الرؤية.
الفن والثقافة، حيث تُروى هوية الوطن بلغة الإبداع،
وكل ذلك يجري في ظل قيادةٍ حكيمة آمنت بأن الإنسان السعودي هو أعظم ثروة، وأصل كل نهضة، ومحور كل رؤية.
إن ما نشهده اليوم من نماذج وطنية مشرّفة ليس وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية واعية، يقودها سمو سيدي ولي العهد – حفظه الله – برؤية طموحة أعادت تعريف المسؤولية، ورسّخت قيمة العمل، وجعلت من الانتماء ممارسة يومية لا شعارًا موسميًا.
ختامًا: ريان العسيري لم يكن خبرًا عابرًا، بل رسالة وطن تؤكد أن المملكة العربية السعودية ستظل وطنًا عظيمًا برجاله، قويًا بأبطاله، آمنًا بتضحيات أبنائه، ومرفوع الرأس بخدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن.
دمت يا وطني عظيمًا، وبقيتَ وَلّادًا بالأبطال.