منصور بن صالح العُمري
في لجة الأحداث التي تعصف بالجنوب اليمني، يبرز التباين بين منطق «الدولة» ومنطق «المغامرة»، وبين ثبات المبادئ وسيولة المصالح. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع على جغرافيا، بل هو امتحان للمصداقية التاريخية في زمن عزّت فيه الصراحة وكثر فيه التبرير.
تقف المملكة العربية السعودية في هذا المشهد شامخةً بوقار الكبار، لا تهزها الرياح العارضة ولا تغريها المكاسب الضيقة. لقد جاء بيانها حازماً كحد السيف، جلياً كشمس الضحى، ليضع النقاط على الحروف ويدحض كل توهم بأن دماء الأشقاء أو وحدة ترابهم قد تكون ورقة للمساومة. إنها حكمة «النفس الطويل» التي لا تندفع خلف العواطف العابرة، بل تستشرف آفاق المستقبل، مؤمنة بأن أمن الرياض يبدأ من استقرار صنعاء وعدن، وأن الصديق الحقيقي هو من يصدقك القول والعمل في الملمات، لا من يمنحك التبريرات المموهة والواقع بعيد عنها.
على الضفة الأخرى، تطل علينا مواقف تتدثر بعباءة التبرير غير الواقعي، محاولةً صياغة واقع جديد عبر تأجيج النزاعات البينية وخلق كيانات متناثرة تضعف الجسد الواحد. إن السياسة التي تقتات على بذر الشقاق في دول شتى، وتجعل من التدخل في شؤون الآخرين استراتيجية للنفوذ، هي سياسة قصيرة النظر؛ فالحرائق التي تُشعل في بيوت الجيران لا بد أن يتطاير شررها. إن هذه «الدبلوماسية المموهة» قد تنجح في كسب جولة، لكنها تخسر رهان الأخلاق والعمق الاستراتيجي، وتنكشف أمام صلابة الموقف السعودي الذي يرفض أن يكون اليمن مسرحاً لتصفية الحسابات أو مختبراً لأحلام التوسع.
إن الفرق بين الحكمة والمراوغة كالفرق بين الحق والباطل؛ فالأولى تبني وتجمع، والثانية تهدم وتفرق. ويبقى الرهان اليوم على ذلك الثبات السعودي الأصيل، الذي يثبت للعالم يوماً بعد يوم أن القيادة ليست مجرد شعارات، بل هي مسؤولية، وموقف، ومصداقية لا تهتز مهما بلغت شدة العواصف.