عبدالعزيز صالح الصالح
يعيش الإنسان منذ أن وجد على سطح هذه الكرة الأرضية في تحد دائم مع هذه الظروف المحيطة به، من كل جانب، وذلك من أجل أن يؤمّن عيشه من جهة ورفاهية من جهة ثانية، فهو يقود صراعاً يخضع به ظاهرة ما تعيق سبيله، أو يضطر إلى مهادنة ظاهرة أخرى ريثما يستطيع تذليلها. والإنسان عبر رحلته الطويلة الشاقة استطاع بعد توفيق الله أن يواجه كافَّة الصِّعاب والتحديِّات وأن يحقق انتصارات هائلة رغم المعوِّقات والعقبات التي اعترضت سبيله فإن ظاهرة الضجيج، أو ما يُسمى بالتلوث الصوتي فإنه شر مميز لتلك الأزمنة التي يعيشها الإنسان، وإن كان الأسلاف قد عانوا أشد المعاناة من هذه الظاهرة، فإن للضجيج تاريخاً لا يتسع له هذا المقطع، فالأصوات الحادة والغليظة متضادان معاً أما الأصوات المعتدلة المتزنة المتناسبة فإنها تعدل الأمزجة عند البشر، وتفرج الطباع، وتستلذ لها الأرواح، وتسر به النفوس، فهناك أصوات عدَّة مثل الضوضاء الذي لم يفقد على طول الزمان نقطة من شره وضلاله، فهي سماع الغناء الرديء، وسماع القراءة الرديئة، والضجيج يسبب اضطرابات خطيرة في مجمل الصِّفات النَّفسيَّة للإنسان بما فيه ذلك المرض العقلي النفساني. كما قال تعالى في محكم كتابه الكريم: {إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (19) سورة لقمان.
وهناك أصوات تهدم رطوبة الدماغ، أمثال أبواق المركبات، والبكاء المرير، وأصوات الطائرات فالضجيج يغدو مزعجاً إزعاجاً شديداً عندما تتراوح شدته ما بين 100-200 على مقياس دسبيل ويكون مؤذياً إذا بلغت شدته من 130-140 دسيبل فما فوق. فإن هذه الأصوات المزعجة مع الأسف الشديد أنها تؤذِّي خلايا الأذن الداخلية، إلى جانب التوتر وذلك نتيجة الضجيج، فإن سرعة التهيج والسأم ونوبات الغضب، وفقدان التسامح والتساهل منشأها العدد المفرط من التنبيهات السمعية، لأن الأذن هي الحاسة الأكثر حساسية تجاه فرط المنبهات وانعكاساتها على الحياة النَّفسيَّة، فإن الأفعال المتكررة للمنبهات السمعية المفرطة تعمل على توازن الجملة العصبية حيث تسبب ردة فعل غير ملائمة تجاه تلك المنبهات الجديدة فهناك سلسلة من القوانين التي تحمى الإنسان من الضجيج المفرط الصاحب الممنوع إطلاقاً، فالحملات التي تقام ضد الضجيج أمر مهم جداً فإن الوسيلة الوحيدة للوقاية من الآلام النَّفسيَّة المحتملة التي يسببها الضجيج بصورة عامَّة، فالواجب على الجهات المعنية تكثيف الحملات ضد الضجيج داخل المدن الكبيرة، بسبب الأصوات المتجاوزة للحد الأعلى من الضجيج فالأمة بحاجة ماسة للحد من هذه الضوضاء حتى يتمتع أفراد الأمة بصحة عقلية وجسمية فالوصول إلى هذه البيئة المنشودة للحياة السليمة من الصعوبة تحقيقها بالشكل المطلوب في هذا العصر بالذات.
والله الموفِّقُ والمعين.