د. محمد عبدالله الخازم
يُنسَب مصطلح التسليك في قواميس اللغة إلى معانٍ متعددة، منها السلوك، أو السِّلك، أو المسلك، أو المهنة، إضافة إلى دلالات أخرى. غير أننا نركِّز هنا على التسليك بمعناه الشعبي، الذي يشير إلى المجاراة غير الجادة وتمرير الأمور دون التزام كامل بالإجراءات، أو دون مواجهة مباشرة للمواقف. ويراه البعض يقترب من مفهوم التهرّب (Ditching)، أي التخلّي غير الرسمي وغير الصريح عن الالتزامات، سواء تعلّقت بخطط، أو مواعيد، أو برامج عمل.
ويُعدّ التسليك ظاهرة شائعة في البيئات غير الرسمية، مثل الاستراحات والديوانيات، ويزداد حضوره بين فئات عمرية معيَّنة، كالصغار والشباب. وغالبًا ما تتشكَّل له قواعد غير مكتوبة، ويتم التسامح معه داخل إطار «الشِّلّة»، خاصة في ظل روابط الصداقة والحاجة المتبادلة.
غير أن الإشكالية تبدأ عندما ينتقل هذا السلوك من سياقه الاجتماعي إلى السياق الإداري والمؤسسي؛ إذ لا يختلف في جوهره عن معناه الشعبي، وإنما تتغيَّر أدواته ومظاهره. يتجلَّى ذلك حين يعجز المسؤول عن التمييز بين السلوك القيادي المهني، القائم على الوضوح والمساءلة، والسلوك الاجتماعي الشعبي القائم على المجاملة و(التطنيش) وتجنُّب المواجهة. فعلى سبيل المثال، قد يُبدي المدير قبولًا - شكليًا غير مكتوب - لمقترحٍ ما، عبر الإيماء أو الوعد بالدراسة، أو بالإحالة، دون وجود نيَّة حقيقية للتبنِّي أو التنفيذ. أي أنه يوهم/ يتجنَّب/ يتهرب من إعلان موقفه بوضوح.
ويُفسِّر البعض هذا السلوك بأنه نوع من المجاملة أو الحرص على حفظ العلاقات، دون إدراك أن ذلك يعزِّز ثقافة تجنُّب المواجهة المباشرة، وهي من المسؤوليات الجوهرية للقيادة. كما قد يُبرَّر التسليك باعتباره وسيلة لتخفيف الصدام وتقليل التوتر التنظيمي، في حين أن الإدارة الفاعلة تفترض القدرة على اتخاذ القرار، وأن الانسجام المؤسسي لا يتحقق بالتهرُّب، بل ببناء الثقة، والوضوح، والمباشرة. وفي حالات أخرى، يحدث خلط بين المرونة المطلوبة في العلاقات الاجتماعية غير الرسمية، وبين متطلبات الانضباط في التعاملات الإدارية التي تستوجب الالتزام والمساءلة.
وتتفاقم الآثار السلبية لهذا السلوك عندما يعتقد القائد الذي يمارسه أنه يدير الأمور بذكاء وحنكة تجنِّبه الاحتكاك مع الآخرين، أو أنه يفهم دوافعهم وآليات تفكيرهم. غير أنه يغفل حقيقة أن الموظفين -ولا سيما الأكفَّاء منهم- يدركون هذا النمط السلوكي ويتعاملون معه بالمثل، من خلال ما يمكن تسميته بالتسليك العكسي. وهنا يتراجع مستوى الالتزام، وتفقد التعليمات الإدارية قيمتها الإلزامية، ويتحوَّل الأداء إلى استجابة شكلية من قِبل الرئيس والمرؤوس، لا تتجاوز الحد الأدنى المطلوب عمليًا؛ أو كما يُقال: كلٌّ يُسلّك للآخر.
تكرار التسليك وانتقائيته يفضي إلى جملة من الآثار التنظيمية السلبية، من أبرزها: إضعاف العدالة وتكافؤ الفرص، وتراجع جودة الأداء التنظيمي والمؤسسي، وتعزيز اللامبالاة، وتقديم العلاقات الشخصية على الكفاءة المهنية. وقد تتآكل الثقة في المؤسسة بصفة عامة.
الخلاصة، التسليك -رغم شيوعه اجتماعيًا- يمثِّل تكراره في البيئة الإدارية، سلوكًا مضراً يقوِّض أسس الإدارة الرشيدة، والحوكمة، والمساءلة، والشفافية. ومن ثمَّ، فإن علينا التمعُّن في ممارساتنا اليومية، والتساؤل عمَّا إذا كانت تُدار بمنطق القيادة المهنية، أم تحت مسمَّيات أخرى تخفي في جوهرها فلسفة «التسليك» الذي اعتدناه في التجمعات الشعبية.