فؤاد بن عبدالله الحمد
مع بداية كل عام، تتجدد طقوس مألوفة: دفاتر تُشترى، اشتراكات نوادٍ رياضية تُفعَّل، تطبيقات ادخار تُحمَّل، ووعود تُقال بثقة عالية.. ثم لا تلبث أن تخفت بعد أسابيع.
عام 2026 لن يكون استثناءً، لأن المشكلة ليست في السنة، بل في الفكرة التي نحملها عنها.
أشهر خرافة تتكرر مع كل عام جديد هي الاعتقاد بأن التاريخ يصنع الانضباط.
وكأن الأول من يناير يمتلك قدرة سحرية على تعديل السلوك، أو أن رقم السنة كفيل بإعادة تشكيل العادات.
الحقيقة البسيطة أن من لم يمارس الرياضة في نوفمبر بدافع داخلي، لن يلتزم بها في يناير بدافع رقمي. التاريخ لا يغيّر الإنسان، الإنسان هو من يمنح التاريخ معناه.
الخرافة الثانية: التغيير يجب أن يكون شاملًا أو لا يكون. فيندفع البعض إلى خطط ضخمة: حمية صارمة، تدريب يومي، ادخار بنسبة عالية، تطوير مهني متسارع. ثم يصطدم الواقع بالجسد، والوقت، والنفس، فتنهار الخطة دفعة واحدة. بينما التجربة الإنسانية تقول إن التغيير الحقيقي يبدأ صغيرًا، هادئًا، غير مستعرض، لكنه ثابت.
أما الخرافة الثالثة فهي ربط البداية بـ الحافز. ينتظر كثيرون الشعور المناسب، المزاج العالي، الدافع القوي. والحقيقة أن الحافز نتيجة، لا مقدمة. الانضباط يسبق الحافز، والفعل الصغير يولّد الرغبة، لا العكس. الإنسان المنجز لا يسأل: “هل أشعر بالرغبة؟” بل يسأل: “ما الخطوة الصحيحة الآن؟”.
وتأتي خرافة الادخار والتخطيط المالي في السياق نفسه. يقال: “سأبدأ مع بداية السنة”. بينما الواقع أن الادخار سلوك، لا قرار موسمي. ريال واحد يُدَّخر اليوم بوعي، أصدق من خطة مالية أنيقة تُؤجَّل شهرين ثم تُنسى. المال لا يحترم النوايا المؤجلة، بل يحترم السلوك المتكرر.
الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الإنسان المنجز لا ينتظر تاريخًا ليبدأ. هو يبدأ حين يفهم، ويستمر حين يلتزم، ويُعدّل حين يخطئ. لا يربط حياته بالمواسم، ولا يعلّق وعيه على التقويم. يدرك أن كل صباح هو بداية محتملة، وكل مساء فرصة مراجعة.
عام 2026 ليس فرصة لأنه جديد، بل لأنه امتداد. امتداد لقرارات صغيرة لم تُتخذ بعد، ولسلوكيات يمكن أن تبدأ الآن، لا بعد احتفال، ولا بعد وعد جماعي. السؤال الحقيقي ليس: ماذا ستفعل هذا العام؟ بل: ما الذي ستفعله اليوم... لو لم يكن هناك عام جديد تنتظره؟