د. علي السويد
ليس الحب، في أعمق مستوياته، علاقةً تُدار بين جسدين ولا حكايةً تُروى بين لقاءين، بل تجربة وجودية تُختبَر حين يُنزَع عنها شرط الحضور. فالحب لا يُمحَّص في الضوء، بل في الظل؛ ولا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يبقى منه حين يُمنَع عن الاكتمال. من هنا، يصبح الغياب ليس نقيض الحب، بل مرآته الأصدق.
إن اللقاء يمنح الحب شكله، لكنه لا يمنحه حقيقته. ففي القرب، تختلط المشاعر بالحاجة، والرغبة بالاعتياد، ويصبح الحب عرضةً للالتباس: هل نحب الآخر لذاته، أم لما يمنحه من دفء وطمأنينة؟ أما حين يُرفَع اللقاء من المعادلة، ويُدفَع الحب إلى أن يُمارَس خلف الستار، فإن كل ما هو عابر يسقط، ولا يبقى إلا ما كان قادرًا على الاستمرار دون مكافأة.
الحب في الغياب يتحوّل من انفعالٍ إلى اختيار. لم يعد استجابةً تلقائية لقربٍ مُغْرٍ، بل قرار واع بالبقاء في شعور لا يَعِد بشيء.
وهنا يكمن امتحانه الفلسفي الأشد: أن تحب دون ضمان، وأن تكون وفيًّا لمعنى لم يتحقق بعد، وربما لن يتحقق أبدًا. هذا الحب لا يَعِد بالسعادة، بل يطلب الصدق؛ ولا يسعى إلى الامتلاك، بل إلى الاتساق الداخلي.
خلف الستار، يتجرّد الحب من لغته الخطابية، ويصير صمتًا أخلاقيًا، ويُعاد تعريف الوفاء: ليس التزامًا بحضور الآخر، بل التزام بعدم خيانته في غيابه؛ بعدم تحويله إلى فكرةٍ مستهلكة أو ذكرى وظيفية تُستدعى لتسكين الفراغ.
الحب هنا هو الامتناع، لا الفعل؛ والكفّ، لا الأخذ!
إن الحب الذي يُمارَس علنًا قد يكون صادقًا، لكنه يظل مشروطًا بالنظر والاعتراف. أما الحب الذي يعيش في الخفاء، فإنه يتحرّر من شرط الشهادة، ويغدو أقرب إلى الإيمان: علاقة غير مرئية بين الذات ومعناها. هو حب لا يحتاج أن يُرى ليكون، ولا أن يُقال ليصحّ. يكفيه أن يحفظ اتساق القلب مع نفسه، حتى لو خسر كل أشكاله الخارجية!
وفي الغياب الطويل، يتكشّف البعد الأنطولوجي للحب: فالمحب لا يعود متعلّقًا بشخص بقدر ما يصبح مسؤولًا عن صورةٍ عليا للإنسان في داخله. كأن الحب، حين يُحرَم من اللقاء، يعلّمنا كيف نكون أكثر إنسانية، لا لأننا نملك الآخر، بل لأننا نحترم حدوده، وظروفه، وربما استحالة الوصول إليه.
هكذا، من زاويةٍ مختلفة، يبدو الحب فعلًا فلسفيًا صارمًا لا رومانسيةً سهلة. موقفًا من الحرية قبل أن يكون علاقة، ومن الأخلاق قبل أن يكون عاطفة. حبٌّ يعرف أن أعظم اختباراته لا تقع في لحظة اللقاء، بل في قدرة القلب على البقاء أمينًا لما أحبّه وهو خلف الستار؛ حيث لا حضور يُغري، ولا غياب يُبرّر الخيانة، وحيث يكون أشد صدقًا وأعمق معنى!