د. رانيا القرعاوي
قبل نهاية 2025م نُشر خبر عن اقتراب مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر من مراحله النهائية، وهو أحد أكبر مشاريع الطاقة النظيفة في العالم، وخطوة مفصلية في مسار التحول الطاقي السعودي. ورغم أهمية المشروع وحجمه وتأثيره الإستراتيجي، فإن التناول الإعلامي له ظل في معظمه محصورًا في الإطار الخبري التقليدي، يركِّز على نسب الإنجاز والتفاصيل الفنية، دون أن يواكب ذلك جهد حقيقي في بناء وعي جماهيري عميق حول معنى هذا التحول وعلاقة أفراد المجتمع به.
هذا القصور الإعلامي لا يظهر فقط في متابعة هذا المشروع، بل كان إحدى نتائج رسالة الماجستير الخاصة بي والتي ناقشت علاقة تعرض الجمهور لوسائل الإعلام بمعارفه واتجاهاته نحو قضايا الطاقة المتجددة. حيث أظهرت نتائج الدراسة أن اتجاهات الجمهور نحو المعالجة الإعلامية لقضايا الطاقة تميل في معظمها إلى الحياد، إذ بلغت نسبة الإجابات المحايدة 52%، مقابل 22% فقط رأوا أن وسائل الإعلام تهتم دائمًا بقضايا الطاقة المتجددة، في حين عبَّر 26% عن عدم موافقتهم على ذلك. هذه النتيجة تشير بوضوح إلى أن الرسالة الإعلامية لا تُقابل بالرفض، لكنها في الوقت ذاته لا تنجح في إثارة الاهتمام أو بناء القناعة.
وأشارت الدراسة إلى أن 31% من أفراد العينة يرون أن المعالجة الإعلامية لقضايا الطاقة المتجددة تفتقر إلى العمق، بينما يرى 21% أنها تفتقر إلى الجرأة في تناول هذه القضايا، وهو ما يعكس وجود فجوة بين حجم التحولات التي تشهدها المملكة في قطاع الطاقة، وطبيعة الخطاب الإعلامي المصاحب لها. اللافت هنا أن الأغلبية لم تتخذ موقفًا سلبيًا حادًا، بل بقيت في المنطقة الرمادية، وهو مؤشر على ضعف التأثير لا قوة الرفض.
الأهم من ذلك أن نتائج الدراسة أظهرت وجود علاقة ارتباط قوية ذات دلالة إحصائية بين معالجة وسائل الإعلام التقليدية ومستويات المعرفة الكلية بقضايا الطاقة المتجددة، حيث بلغ معامل الارتباط 0.759، وهو رقم مرتفع يؤكد أن الإعلام، حين يحسن المعالجة، قادر فعليًا على رفع مستوى معرفة الجمهور. كما ظهرت علاقة ارتباط واضحة بين المعالجة الإعلامية وتكوين الاتجاهات الإيجابية، بمعامل ارتباط بلغ 0.733، ما يعني أن التأثير موجود، لكنه غير مُستثمر بالشكل الكافي.
هذه الأرقام تؤكد أن الإعلام يمتلك القدرة على التأثير، لكن أسلوب المعالجة الحالي لا يستثمر هذه القدرة. ففي حالة مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر، يُقدَّم المشروع غالبًا بوصفه إنجازًا تقنيًا أو رقمًا جديدًا في مسار التحول، دون ربطه بسياق اقتصادي واجتماعي واضح. نادرًا ما يُشرح للجمهور كيف يمكن لهذا المشروع أن يسهم في إعادة تشكيل الاقتصاد بعد النفط، أو في خلق فرص عمل، أو في تعزيز مكانة المملكة عالميًا في أسواق الطاقة النظيفة.
أتذكر هنا مقولة لخبير الاتصال مارشال ماكلوهان كانت دائماً تتردد في قاعات الدراسة مفادها أن (الوسيلة لا تنقل الرسالة فحسب، بل تصنع معناها)، وهي مقولة تنطبق بدقة على هذا المشهد. فحين تُقدَّم قضايا الطاقة بلغة تقنية محايدة، فإن معناها يبقى محدودًا، وحين تُقدَّم ضمن سرد يربطها بحياة الناس ومستقبلهم، فإنها تتحول إلى قضية رأي عام.
ومن ناحية أكاديمية، يمكن قراءة هذه النتائج في ضوء نظرية التهيئة المعرفية، التي تفترض أن القضايا التي يبرزها الإعلام باستمرار تصبح أكثر حضورًا في ذهن الجمهور عند تقييم السياسات والقرارات. نتائج الدراسة الميدانية تؤكد هذا الافتراض، فضعف البروز الإعلامي التفسيري لقضايا الطاقة المتجددة انعكس مباشرة على مستويات المعرفة المتعمقة، وعلى بقاء الاتجاهات في نطاق الحياد.
التحدي الحقيقي أمام الإعلام السعودي اليوم ليس نقص المعلومات ولا غياب الإنجازات، بل طريقة تقديمها. فالجمهور، كما تظهر الأرقام، ليس مختلفاً مع التحول الطاقي، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة الإيمان الكامل بالقضية، وهو ما لا يتحقق إلا بخطاب إعلامي سنع يشرح، ويكرر، ويؤطر، ويربط الإنجاز بالمستقبل الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع.
وهنا تبرز أهمية نظرية التأطير الإعلامي، التي تشرح كيف يمكن للإعلام أن يحوّل القضايا المعقدة إلى موضوعات قابلة للفهم والتفاعل إذا ما قُدّمت ضمن إطار قريب من اهتمامات الناس وقيمهم. فحين يُؤطَّر مشروع الهيدروجين الأخضر بوصفه خطوة تقنية مجردة، يبقى بعيدًا عن الجمهور، أما حين يُقدَّم كقصة عن مستقبل الاقتصاد، وفرص العمل، والاستدامة البيئية، فإنه يتحول إلى قضية يمكن الإيمان بها والدفاع عنها.
وغياب هذا الدور التوعوي، يجعل مشاريع بحجم مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر وغيرها حاضرة في العناوين، لكنها غائبة عن الوعي العام رغم الأهمية.