د. علي القحيص
كرم الله سبحانه وتعالى وميز أمة المسلمين وحبا العرب بأفضل الصفات والمكارم وأنبلها بين الشعوب، وزادتهم ثقافتهم وعاداتهم الأصيلة حسناً وأصالة وكرم أخلاق، سواء من خلال تعاليم الإسلام الحنيف الواضح بتكريم الإنسان ومناقب أصول واجباته الفاضلة، أو ما استمدوه من تراثهم الإنساني العريق، حيث شكلت الأخلاق العربية المثلى، المعين الذي تشرب العرب منه ثقافتهم والنواميس التي ساروا بهديها، التي كرست لديهم معالم واجبات وطباع سلوكياتهم الإنسانية والأخلاقية، فعرفوا معنى الأخلاق وكيفية تعامل الرجل مع الصديق الوفي والأخ الشقيق ومع الضيف وخصمه ومنازلتة والقصاص والثأر وحرمة الجار والدخيل، وإنقاذ المقطوع وإغاثة الملهوف ومساعدة الآخرين مهما تكن ديانتهم أو قوميتهم، فكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، يقودني ذلك إلى قصة سالفة عندما كنت طفلاً من حياة مجتمعنا البدوي الذي اعتز به حيث أذكر أن رجلاً مسناً جاء عند والدي لاحتساء القهوة ومناقشة بعض الأمور وتجاذب الحديث، فاخذت استرق السمع علني ألتقط بعض الحكم والأفكار، يشجعني على ذلك ثناء والدي ومدحه لخصالي، قبل أن يرحل إلى ربه رحمه الله بعد تقدمه بالعمر.
أتذكر ذات مرة قال له والدي، (يا رشدان لو الأمور على الكيف ولا يوجد محاذير أو محرمات كان الناس أخذو من صلبك لينجبون رجالا مثلك)!
وهو يبكي متأثراً بالكلام ويعض شفته السفلى بقسوة ومراره حتى احمرت وجنتيه!
واستفسرت فيما بعد من والدي عن ذلك الرجل الشيخ الكبير الذي تجاوز عمره التسعين عاما في تلك المرحلة، فقال لي والدي هذا (أبو كروان)، فارس عين وذراع، كان له صولات وجولات مع القبيلة وخصومها، ومن مواقفه النبيلة،حين قام أحد أبناء البادية وقتل ولده الأكبر «كروان» في أحد المعارك، وتأثر عليه كثيراً، وكان مصراً على قتل من ذبح ولده، فلذة كبده والقصاص منه بيده شخصيا، ثأرا لأبنه الذي قتل.
وذات مرة في ليلة شتائية عاصفة في الصحراء القاحلة، حل ضيفاً وأتى إلى بيت (رشدان) رجل من البادية وإضافة وبات عنده هربا من إيذاء البرد القارص والجوع الشديد، وحين لاح الفجر قدم له الفطور والقهوة والشاي، وتمعن في وجه جيدا.. وقال له يا ضيفنا هل تعرفني من أنا؟
فقال.. لا.. ولكنك أكيد أنت من هذة القبيلة اللي يحترمون ويكرمون الضيف؟
قال له نعم، ويعفون ويسفحون عن القاتل إذا كان ضيفاً غريراً لا يعرف انه قاتل ابنهم الأكبر!
فانتبه الرجل البدوي وأسقط في يده.. وجلس بالأرض.. وقال انت (رشدان)؟... وأنا قاتل ابنك.. أنا (اللحم وانت السكين).. الآن أنا في منزلك وامر بما تشاء، فرد عليه رشدان وقال يالمجرم في بطنك (كروان)، كنت أبحث عنك في أعلى السماء، والله اتى بك على الأرض وفي منزلي وبين يدي؟
لكن شيمة الرجال وعفتهم ونخوتهم وعزتهم وشهامتهم، تمنعي أن أقتلك في بيتي وأنت بصفة ضيف الآن! اذهب وشأنك!
أسوق هذه القصة الحقيقية التي حدثت ربما قبل قرن ونيف، تذكرتها بعد أن شاهدت برنامج (الصندوق الأسود)، الذي تبثة صحيفة القبس الكويتية!
وهو برنامج متميز جدا، يقدمه الإعلامي اللامع الكويتي، عمار تقي، حيث أجرى مقابلة طويلة من عدة حلقات، مع ما يدعى (الشيخ نواف الزيدان)، بتاريخ 25 ديسمبر الجاري.
وهو الشخص الذي أوشى بأبناء صدام حسين رحمه الله، وأرشد الأمريكان على مكانهم في منزله وتم قتلهما في يوليو 2003، حين دخل في بيته بالموصل شمال العراق، عدي وقصي صدام حسين، وأبنائهما.
عندما استجاروا به من خطر مطاردة ومداهمة الأمريكان بعد احتلال العراق عام 2003 .
وعندما استضافهم أبلغ الجيش الأمريكي الغازي لوطنه، بأن (عدي وقصي صدام حسين في منزله)، حسب اعترافه وقوله في المقابلة بكل وقاحه! وما فعله (نواف الزيدان) ليس تفصيلًا في فوضى الاحتلال وما حصل من دمار شامل وتدمير كامل.
ولا هي حادثة عابرة يمكن دفنها تحت ركام الأبنية ولا في التبريرات وزوابع الكذب بل لحظة كاشفة لإنهيار أخلاقي كامل غير مسبوق!
تبرر الخيانة بأنها تصرف سليم وبطولي ودرءا للمخاطر!
المسألة ليست قتل (عدي أو قصي أو مصطفى ابن قصي الذي تفيد الروايات المتداولة عن قتل 40 جندياً أمريكياً دفاعاً عن والده وعمه حتى نفاد الذخيرة من بندقيته، والتي وصفته صحيفة أمريكية بأنه الطفل الأشجع بالعالم.
ومهما يكن صاحب المنزل إذا كان شامتاً أو غاضباً أو خائفاً أو حتى طامعاً، فالقضية برمتها تبين أن هناك عدواً أجنبياً قطع آلاف الأميال ليحتل بلده ويقتل قادته وينكِّل بشعبه.
هنا لا تُقاس المواقف السياسية والعسكرية ولا حتى الوطنية، بل بالكرامة والشهامة والرجولة والشرف والمبادئ.
إما أن تكون إنسانًا وطنيًا نبيلاً ورجلاً شهماً، أو تتحول إلى ذنب وإداة رخيصة للعدو الغازي، ومخبراً وجاسوساً للمحتل!
وكل ما قيل وسيُقال لتبرير هذا الفعل المشين فهو عمل دنيئ مرفوض يتعارض مع كل الأديان والثوابت، عرفا وإخلاقا، عمل ساقط بامتياز!
الخوف لا يبرر الخيانة ولا يصنع جواسيس ولا يحوّل البيوت التي تحمي الضيوف، إلى ثكنة واحداثيات عسكرية وتصفية حسابات من أجل البقاء أو المال!
والخلاف مع النظام -وأنا منهم- لا يمنحك رخصة لتكون ذنبا ذليلًا وأداة رخيصة للاحتلال والأعداء مهما تكن الخصومة، ومهما يكن الثمن!
فالخيانة لا تُقاس بمعاداتك للسلطة والدولة مهما تكن الظروف صعبة وقاسية والخلافات عميقة، بل يبين ضعفك وشماتتك ودناءتك وغياب الضمير!
أما ادعاء الانتقام من بعض العراقيين وتبرير الاحتلال أو تسليم قادتهم للغزاة ليقتلوهم بحجة المظالم!
فهو أسوأ التصرفات وأقذر الأعمال وأبشع الأكاذيب الموغل بالزيف والإفتراء واخفاء الحقيقة والتدليس!
وما قام به (نواف الزيدان) هذا عمل شاذ ومتطرف غير مبرر أبداً، وهذا التصرف ليس انتقامًا، بل هو خيانة واضحة الأركان وانتهازية باطلة!
وهذا التصرف لا يمنحك الحق لكي تنسف العرف وتضرب عرض الحائط بالقيم، بتسليم مستجير بك وضيف عندك مطلوب من قبل المحتلين الأغراب!
الذين دمروا دولتك ونهبوا ثرواتها وعاثوا بالأرض فساد!
وأهانوا الناس وقتلوهم أمام أبنائهم وعوائلهم فقط لأنهم دافعوا عن وطنهم وأرضهم ضد المحتل الغازي!
وحين نعرف أن الوشاية مقابل صفقة مالية تمت بين (زيدان والأمريكان)، فهي الخيانة الأكبر بعينها ولحمها وشحمها.. وعذرا أكبر من ذنب!
رحم الله ناجي العلي، (1938 - 1987)، حين قال: أخشى أن يأتي يوما، تصبح (الخيانة) وجهة نظر!
إنه العار نفسه يوضحه الصندوق الأسود.. للوجه الأسود!
أكتب هذا مع أني ضد صدام حسين ونظامه، وأكتب هذا مع إيماني بأن الشعب العراقي بمن فيهم معارضو صدام أشرف من أن يكونوا عملاء للأغراب على نحو ما فعله نواف الزيدان.