نجلاء العتيبي
الأُمُّ هي نواة البيت وركيزتُهُ الأولى؛ القلب الذي يضخُّ الحياة في تفاصيل العائلة الصغيرة، فتنتظم القلوب حول دفئها، كما تنتظم الكواكب في مدار الضوء، ليست الأم طرفًا في معادلة التربية، بل هي المعادلة نفسها؛ جوهر التوازن الذي يمنح كل فرد في الأسرة موقعه ومعناه، وحين تكون مطمئنة، تنبضُ الطمأنينة في كل شيء، في البيت كله من حولها.
تُؤكّد الدراسات النفسية أن استقرار الطفل العاطفي يتكوَّن من تفاعله الأول مع أمه؛ فهي مِرآته الأولى، ومنها يتعلَّم كيف يحبُّ ويثقُ ويواجه، وقد أظهرت دراسة لجامعة هارفارد عام 2019 أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئة دافئة يسودُها الحنان الأمومي يتمتَّعون بنسبة أعلى من الذكاء العاطفي، وقدرة أكبر على التكيُّف الاجتماعي والنجاح المهني لاحقًا، هذه النتائج تعكسُ حقيقة جوهرية: النفس لا تنضج في فراغ، ولكن في حضنٍ مطمئنٍّ.
إن الدور الذي تؤدّيه الأم لا يُقاس بما تحمله من أعباء، بعمق الحضور الذي تمنحه؛ فالأم التي تُصغي تربي وتؤنس، والتي تحنو تبني الثقة، وحين تُدرك أن التربية ليست سلسلة من الأوامر، فعل تواصل صادق، تصبح كلُّ نظرة منها درسًا، وكل كلمة بوصلة، أما حين يغيب هذا الإدراك فيتشوَّه الإيقاع الداخلي للأسرة، فيسود الصخب مكان الهدوء، والجمود بدل الحوار.
فالعائلة التي تستند إلى أُمٍّ متوازنةٍ متسامحةٍ تجد نفسها أكثر قدرةً على مواجهة أزمات الحياة؛ فالاتزان النفسي للأم ينعكس على الزوج فيتعلَّم التماسك، وينتقل إلى الأبناء كإحساس جمعي بالثقة، وقد كتب الطبيب النفسي البريطاني جون بولبي، مُؤسّس نظرية التعلُّق: «الارتباط الآمن بالأم هو حجر الزاوية في بناء شخصية قادرة على الحب والعطاء»، وهي عبارة تختصر ما تعجز عنه الخُطُب الطويلة؛ استقرار العائلة يبدأ من قلبٍ يعرف كيف يحتوي.
ليست الأم مثالية في كل شيء بالضرورة؛ فهي تخطئ وتتعب وتضعف، لكنها تبقى المحور الذي يُعيد التوازن متى اضطربت المسارات، يكفي أن تكون حقيقة، حاضرة، متصالحة مع ذاتها؛ لأن الطفل لا يحتاج أُمًّا خارقة، قلب إنسانة تُشعره بأنها بجانبه مهما تبدلت الظروف، وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الأمهات اللواتي يُعبّرن عن مشاعرهنَّ بصدق يربين أبناءً أكثر نضجًا عاطفيًّا وأقلَّ عُرضةً للاضطرابات النفسية.
فالعائلة التي تُبنى على حنان الأم صاحبة المبادئ لا تتفكَّك؛ لأنها تتكئ على جذور راسخة في وجدانها؛ جذور تشبه الأرض التي مهما عصفت بها الرياح تبقى ثابتةً في عمقها، وكل بيت مستقر يبدأ من أُمٍّ تؤمن أن التربية وعيٌ بما يحتاجه الجيل الجديد دون أن تنسلخ عن الجيد مما تربَّت عليه، وأن الأمانة ليست بسيطة ودورها مهم.
فالأم ليست ظلًّا في حياة العائلة، بل هي ضوؤها؛ هي التي تمنح الدفء والاتزان، ومنها يبدأ الأمان وبها يستمرُّ، وهي التي تُحدّد موقعها في حياة الأبناء. لا شيء يُمنح بلا تعب واجتهاد، فصبرُ الأم عظيمٌ، وأجرُها أعظمُ، وعوض الله فيهم أجملُ.
ضوء
عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّكم راعٍ، وكُلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ: فالأميرُ راعٍ، والرجلُ راعٍ على أهل بيته، والمرأةُ راعيةٌ على بيت زوجها وولده، فكُلُّكم راعٍ، وكُلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ».