د.عبدالله بن موسى الطاير
تحذير رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني الصريح لموظفيها في ديسمبر 2025م الذي قالت فيه «كان عام 2025 صعبا، لكن العام المقبل سيكون أسوأ بكثير» كان موجها لإيطاليا، إلا أن عبارتها: «لا تقلقوا، لأن العام المقبل سيكون أسوأ بكثير»، انتشرت بسرعة كبيرة، وجردت العبارة من روح الدعابة السوداء، والمصارحة الصارخة التي أرادت بها، وعلى طريقتها، ربما، تحفيز حكومتها وتهيئة الشعب الإيطالي لما هو أسوأ، تحولت إلى نذير رعب يتصدر نشرات الأخبار ويطوف مواقع التواصل الاجتماعي مثخنا في مشاعر الناس الوجلة، على مستوى العالم.
مثل هذه الدعابة في عصر يسوده عدم اليقين، تلقفها الناس على أنها تحذير من شر قد أقترب على غرار قول أبو تمام:
وخوفوا الناس من دهياء مظلمة
إذا بدى الكوكب الغربي ذو الذنب
زاد من شيطنة الزمن القادم، 2026م، مهرجو الأفلاك الذين يفترشون شاشات بعض التلفزة الهابطة، لينفثوا سمومهم في المستقبل، ويلقوا باللوم على السنة الميلادية الجديدة في استعراض للتشاؤم والطيرة؛ أيهم يستفز مشاعر العامة أكثر؟
لم تكن ميلوني تستحضر علم الأفلاك ولا النكبات القديمة، وإنما عكست حذرها من ضغوط ملموسة متراكمة قد تنفجر في العام الجديد، وربما بعده؛ من ذلك الدين العام الإيطالي المتصاعد والمتوقع أن يصل إلى 137% من الناتج المحلي الإجمالي، والنمو البطيء، والتوترات الجيوسياسية، والحرب الروسية الأوكرانية. حالة الإرهاق العام الذي تعيشه المجتمعات البشرية، حولت توقعاتها العملية إلى نبوءة مثيرة للقلق، وفُسرت على أنها توقعات سياسية مرتبطة برقم مشؤوم «26».
إطلالة سريعة على التاريخ تشير إلى أن السنوات التي تنتهي بالرقم 26 حفلت بنصيبها من الاضطرابات، ولكن ليس أكثر من غيرها.
على سبيل المثال في عام 26م تمتعت الإمبراطورية الرومانية بقيادة تيبيريوس بهدوء نسبي، دون حروب كارثية أو انهيارات، إلا أنها عرفت تراكم هادئ للتوترات التي انفجرت لاحقًا، وفي عام 226م نهضت الإمبراطورية الساسانية في بلاد فارس وسط تحولات في موازين القوى الإقليمية، ليس بسبب الرقم 26 وإنما نتيجة لصراعات سابقة، لا تفاؤلا رقيما أو فلكيا. على الصعيد السعودي شهد عام 1926م إعلان الملك عبدالعزيز مملكة الحجاز وسلطنة نجد، واعترف الاتحاد السوفيتي بتلك الدولة الجديدة. التاريخ لا يخضع لأنماط الأرقام، فالأزمات لا تندلع لمجرد أن السنة الجديدة تغير رقمها، بل لأن الأحداث تتفاقم مع مرور الوقت، وقد تصل ذروتها مع حلول العام الجديد، وسرعان ما يصبغه الناس بلون الغم أو البهجة.
لماذا يبدو عام 2026م نذير سوء؟ ليس بسبب الأفلاك، ولا نبوءات ميلوني، ولا خرافات العرافين، وإنما هناك قلق لا يخفى، تشكل من سلسلة من التحديات العالقة كالنظام الدولي المتصدع، وحروب طويلة الأمد بلا حسم، واقتصادات تُعالج بحلول مؤقتة، وتغيرات ديموغرافية وتكنولوجية متسارعة، وتآكل الثقة بين المواطنين والحكومات وبخاصة في الدول الصناعية الليبرو- ديموقراطية.
لذا،فعندما تُشير زعيمة مثل ميلوني إلى أوقات عصيبة قادمة، فإنها تُحلل الواقع وتوصف النتيجة. التحليل الرصين واستنتاج المألات غير المواتية هو دعوة للعمل وتغيير القدر، وليس استسلاما له، فالزمن بحد ذاته لا يمتلك قوة مستقلة. إذا أقنعنا أنفسنا بأن عام 2026م «منحوس» لا محالة، فإن البشرية ستلوذ بالعذر الذي لا قبل لها بمواجهته، فتؤجل الإصلاحات الضرورية، وتبرر الإخفاقات باعتبارها قدرا محتوما.
ويقال: لم تكن أصعب سنوات التاريخ هي تلك التي تنبأ بها الخبراء والعرافون وتوجس الناس خيفة منها، وإنما تلك التي استُهين بها.
لا توجد سنة سيئة بطبيعتها، وما يشكل حسنها أو قبحها، خفتها أو ثقلها هو فاعلية الإنسان، كفاءة القيادة، قوة المؤسسات، قدرة المجتمعات على التكيف، والاستعداد لمواجهة الأخطاء والأخطار بشجاعة. التعامل مع سنوات من التأخير والإنكار والانقسام والأخطاء هو الذي سيلون عام 2026 بألوان السعادة أو البؤس، فالزمن ليس مخولا بإيقاع العقوبة، بل كاشفا عنها.
البشرية ومن بيدهم القرار قادرون على جعل عامنا الجديد أفضل، ليس بالأماني وإنما بالعزم والعزيمة والإصلاح وتحمل المسؤولية، وتوفيق الله قبل ذلك وبعده.