مهدي العبار العنزي
لم تكن الإبل في تاريخ المملكة العربية السعودية مجرد مورد للعيش أو وسيلة للتنقل، بل كانت ركيزة أساسية في بناء الإنسان والمكان، ورافقت الآباء والأجداد في تفاصيل حياتهم، فشكّلت وجدانًا جمعيًا ارتبط بالصبر والقوة والوفاء. ومن هذا العمق التاريخي، جاء اهتمام الدولة بمهرجانات الإبل وسباقات الهجن، تأكيدًا على أن التراث الأصيل هو جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية.
وقد أولت القيادة الرشيدة -حفظها الله- هذا الموروث عناية كبيرة، تجسدت في تنظيم المهرجانات الكبرى، ودعم سباقات الهجن، وإنشاء ميادين حديثة في مختلف مناطق المملكة، بما يعكس حرص الدولة على حفظ التراث وتطويره ضمن إطار مؤسسي منظم، يواكب تطلعات الحاضر ويحفظ أصالة الماضي. يُعد مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل أحد أبرز هذه الفعاليات الوطنية، حيث تجاوز كونه مهرجانًا تراثيًا إلى منصة ثقافية واقتصادية وسياحية، أسهمت في إبراز مكانة الإبل في الثقافة السعودية، وتوثيق سلالاتها، وتنشيط الحركة السياحية، واستقطاب المشاركات المحلية والدولية، ليصبح واجهة مشرّفة تعكس عمق الموروث السعودي وقدرته على الحضور عالميًا.
كما يحظى مهرجان خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله ورعاه- للهجن بمكانة راسخة في مسيرة سباقات الهجن، لما يمثله من امتداد تاريخي لهذه الرياضة الأصيلة، التي انتقلت من ممارسات تقليدية إلى سباقات منظمة بلوائح دقيقة، وتقنيات حديثة، ومستويات تنافسية عالية، أسهمت في رفع كفاءة الأداء، وتشجيع الملاك والمضمرين، وترسيخ قيم التنافس الشريف على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.
يأتي مهرجان ولي العهد للهجن ليجسد الرؤية المستقبلية لهذا القطاع، من خلال تمكين الشباب، واكتشاف المواهب، وتعزيز الاستدامة، وتقديم نموذج متطور يجمع بين الوفاء للإرث والانفتاح على أساليب التنظيم الحديثة، بما يعكس اهتمام القيادة بدعم الأجيال القادمة وربطها بتراثها الوطني وتأتي هذه الرياضة العربية الأصيلة متوافقة مع رؤية المملكة 2030 التي أطلقها الملهم الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-.
ولا يقتصر هذا الاهتمام على المهرجانات الكبرى فحسب، بل يمتد إلى ما تشهده ميادين سباقات الهجن في مختلف مناطق المملكة من تطور ملحوظ في البنية التحتية والتنظيم والدعم الفني، حيث أصبحت هذه الميادين ساحات حيوية تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وتعزيز السياحة الداخلية، وترسيخ حضور الهجن في المشهد الرياضي والتراثي.
الخاتمة: وانطلاقًا من تجربة شخصية عايشت من خلالها سباقات الهجن عن قرب، وتشرفت بالعمل فيها كمعلّق رسمي، وحظيت خلالها بدعم كريم من ملوك هذه البلاد رحم الله من مات منهم وحفظ الله مليكنا وولي عهده وهو دعم أعتز به كثيرًا، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الاتحاد السعودي للهجن، وإلى صاحب السمو الأمير فهد بن جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد رئيس الاتحاد، على ما يبذلونه من جهود مخلصة في خدمة رياضة الهجن وصون هذا الموروث الوطني الأصيل.
كما أثمّن جهود جميع العاملين في الاتحاد ومنسوبي الميادين، على إخلاصهم وعطائهم لتبقى الهجن وسباقاتها شاهدًا حيًا على أصالة وطن، ووفاء قيادة، واعتزاز شعب بإرثه وتاريخه.
بشر أهل الهجن ما للهجن غيبه
عن ميادين السباق وعن صخبها