إيمان حمود الشمري
ما أقسى شعور أن تذهب كل يوم لعملك وأنت تدفع نفسك دفعاً لساحة معركة قادمة تستنزف طاقتك ومشاعرك، مدفوعاً بالحاجة لا بالشغف، بالصراع للبقاء لا الاستمتاع بالتعلم واكتساب الخبرة، تجد نفسك محاصراً بضغوطات منزلية وصراعات عمل لا تنتهي، تجابهها بسيف ضعيف تشعر أنه سوف يسقط في أي لحظة، وتضطر بعدها أن تتحول بالتدريج إلى مقاتل شرس، بلا مبادئ ولا قيم، سيرته الذاتية عبارة عن سلسلة جرائم ارتكبها بحق الغير كي يبقى على رأس العمل لا بمجهوده وإنما بالأفخاخ التي نصبها لغيره، وكأنما أهم إنجاز في حياته يكمن في تشويه إنجازات الآخرين والوشاية بهم.
دخلت المرأة على الخط في ساحة القتال تلك، لتثبت أيضاً أن «كيدهن عظيم» !!
استخدمت كل أسلحتها وكأنما بداخلها غل على تلك السنوات التي كانت فيها خارج المنافسة !! وقد تصل لحافة الافتراء عندما يقتضي الأمر، فهي عندما تنتقم تصبح أشد شراسة وتعرف كيف تستدعي مشاعر العالم للتعاطف معها.
غابت الأخلاقيات وغابت معها إنسانية الكثيرين بالتعامل. يفترض أن تكون البيئة التنافسية بيئة محفزة للتفاضل لا ساحة معركة، بيئة حتى وإن كانت تحفّها البكتيريا أحياناً، ولكن حبذا أن تكون بكتيريا نافعة طاردة للفاسدين لا مرتعاً للجراثيم !!
الكثير يشتكي من نفس الشكوى ويطبق نفس السلوك، عاجزين عن تقويم ذاتهم، ضعفاء أمام رغباتهم المشبوهة بالتفوق بالحيلة لا بالإخلاص، بالتملق لا بالمجهود، بالاستعراض لا بالكفاءة، بالاستغلال والتشكيك بمجهود الآخرين. ما أقسانا على بعضنا !
محاطون بسلسلة طويلة من اللاءات، لا تفضفض، لا تفشي أسرارك، لا يوجد صداقات عمل، وكأنما يتم تهيئتك للقتال حتى قبل أن تبدأ الدخول في بيئة هدفها استدراجك وانتظار الزلة منك، وكأنما أصبحنا أعداء لا زملاء عمل يجمعنا دين وهوية وأهداف نحققها سوياً.
التنافس لا يعني العداء، ولو أنه كان صفة سلبية لما ذكر بالقرآن كسلوك تحفيزي «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون»، *المطففين (26)، فهو مكان رزق لا ساحة قتال والكل يحتاجه، هناك أب وأخت وزوجة تعيل أسرتها، راتب آخر الشهر هو احتياج يبني مستقبل أسر لا رفاهية، سداد ديون وفواتير ومصاريف وقروض تستدعي القلق والأرق بمنتصف الليل، فترفق بزملائك فأنت لا تعرف أي معركة يخوضون بالحياة.
نعم، اعمل بذكاء، احفظ حقوقك، إبراز مجهودك، ولكن بإنصاف لا بخسة، بعدل لا بظلم وجحود وأنانية.
عودوا إلى طبيعتكم، فطرتكم، إنسانيتكم، ما خلقنا بهذه القسوة كي نتصارع، يغتالنا نجاح الآخرين ويِؤلمنا تفوقهم ، هناك دين وعادات وأخلاقيات تحكمنا. نحتاج لوقفة مع النفس تعيد ترميم التشوهات التي خلّفتها رواسبنا النفسية، وتعيدنا لبشريّتنا وفطرتنا الإنسانية.
نسيت أن أذكر كلمة «البعض» حتى لا يساء فهمي، ويقال إنني تعمدت التعميم، ووددت لو قلت الأكثرية.
* ملاحظة: هذا المقال إهداء لكل موظف ومدير ومسؤول.