فائز بن سلمان الحمدي
الصلح بين الناس منزلة سامقة من منازل الشرف، ومرتبة رفيعة من مراتب الإحسان، به تُجبر الكسور، وتلتئم الصدوع، وتُطفأ جذوة الفتن قبل أن تستحكم، وقد عظّم الله شأنه في محكم كتابه فقال: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- إصلاح ذات البين من أعظم القربات وأجلّها أثرًا حين قال:«ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين»، فدلّ ذلك على علو منزلته ورفعة مقصده. غير أن هذا المقام العالي لا يُنال بالاندفاع، ولا يُؤدى بالنية المجردة عن الفقه والبصيرة، إذ ليست كل يد صالحة للإصلاح، ولا كل ساحة مهيأة للصلح، ولا كل وقت صالحًا لجمع الكلمة، فكما أن للصلح فضلًا عظيمًا فإن له ميزانًا دقيقًا، متى اختلّ انقلب المقصود الشريف إلى مآل معكوس، وصار الداخل فيه سببًا للتعقيد وهو يظن أنه سبب للانفراج.
وليس من العقل الراشد ولا من الشرع الحكيم أن يُفتح باب الصلح لكل نزاع دون نظر في طبيعته ومآلاته، فبعض الخصومات قائمة على ظلم بيّن، وقد أمر الله بالعدل قبل الإحسان فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}، فلا خير في صلح يُبنى على تمييع الحقوق، ولا بركة في وفاق يُقام على كسر المظلوم وإرضاء المعتدي. وقد بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نصرة الظالم إنما تكون بكفه عن ظلمه، لا بمساواته بمن ظُلم، فدلّ ذلك على أن الإصلاح الحق لا يكون على حساب العدل، ولا تحت ضغط المجاملة الاجتماعية، مهما حسنت النيات. ويزداد هذا المعنى وضوحًا وخطورة حين يقتحم بعض الناس قضايا أُسرية وشؤونًا عائلية بالغة الخصوصية والحساسية، تتشابك فيها العواطف، وتثقلها اعتبارات الكرامة والمكانة، وتكون الكلمة فيها محسوبة، والخطوة فيها مرصودة. فمثل هذه القضايا لا تحتمل كثرة الداخلين، ولا تستوعب تعدد الوسطاء، إذ إن التدخل فيها من غير أهلية ولا تقدير لطبيعتها قد يوسّع دائرة الخلاف، ويحوّل شأنًا محدودًا قابلًا للمعالجة الهادئة إلى أزمة ممتدة، ويستدرج الأطراف إلى مواقف متصلبة لم تكن لتنشأ لو تُرك الأمر في نطاقه الضيق وبين أهله.
وكم من خلافٍ عائلي كان أقرب إلى الانطفاء، فلما بادر إليه متدخل بحجة الصلح، انكشف ما كان مستورًا، وتكاثرت التأويلات، وتحول من مسألة خاصة إلى قضية مواقف واصطفافات، فاشتد العناد، واستُحضرت الملفات القديمة، وتحصّن كل طرف خلف كرامته لا خلف حقه، لأن النفوس إذا خُوطبت أمام الغرباء شددت مواقفها، وأغلقت أبواب التراجع، ولو كانت في أصلها أميل إلى اللين والقبول. وحينئذ لا يعود الصلح سبيلًا للتقريب، بل يصير سببًا في مزيد من التباعد، ويغدو الصمت الحكيم أولى من كلامٍ متعجل، والاعتزال الرشيد أنفع من تدخلٍ يورث تعقيدًا، ولهذا كان المصلح الحق من جمع بين حسن القصد وسداد النظر، يعلم متى يتقدم ومتى يتأخر، ومتى يكون حضوره نافعًا ومتى يكون غيابه أصلح، ويدرك أن بعض البيوت لا تُفتح أبوابها إلا لمن بلغ من الثقة والعقل منزلة تطمئن إليها النفوس، وأن بعض الجراح لا يُحسن لمسها إلا أهلها أو من أُذن له عن علم وروية. وقد أرشد الشرع إلى هذا المعنى حين دلّ على اعتبار المآلات، وعلى أن الرفق والحكمة أصل في الإصلاح، وأن الكفّ في موضعه إصلاح كما أن القول في موضعه إصلاح. وهكذا يتبين أن الصلح عبادة جليلة، لكنه مسؤولية ثقيلة، وميزان دقيق، لا يقوم إلا على عدل راسخ، وحكمة نافذة، وتجرد صادق من الهوى، وإدراك عميق لطبيعة النزاع ومآلاته. فليس من العقل ولا من الشرع أن يدخل الإنسان في كل قضية بحجة الإصلاح، وإنما العقل والشرع معًا يضعان الصلح في موضعه اللائق به، ويجعلان تركه في بعض الأحوال عين الإصلاح، حتى يكون الساعي إليه باعثًا على السكينة حقًا، لا سببًا في تعقيدٍ يتزيّا بلباس الحكمة وهو أبعد ما يكون عنها.