د.فيصل خلف
حين ابتكر الجراح الأمريكي William Stewart Halsted نظام المناوبة الطبية في مطلع القرن العشرين، لم يكن يتخيل أن فكرته ستعبر القارات وتستقر في أنظمة صحية حول العالم، ولا أن تتحول مع الزمن من وسيلة تدريب صارمة إلى عبء إنساني يثير الجدل حتى هذا اليوم.
ذلك الجراح الذي أسّس نموذج الإقامة الطبية الحديث، كان يؤمن بأن الطبيب لا يُصنع في القاعات الدراسية، بل في الميدان يعني تحت الضغط وفي قلب المستشفى، ومن هنا وُلدت فكرة المناوبة «وجود دائم.. ساعات طويلة.. ومسؤولية متدرجة».
انتشر هذا النموذج عالميًا؛ تبنته الولايات المتحدة أولًا ثم أوروبا فبريطانيا وكندا وأستراليا، وصولًا إلى الشرق الأوسط، ومع اختلاف الأنظمة الصحية، بقي الجوهر واحدًا.. الطبيب حاضر دائمًا، غير أن التطبيق لم يكن واحدًا، فبينما أعادت دول كثيرة النظر في عدد ساعات العمل وحدود الإرهاق، ظل الجدل قائمًا حول أين ينتهي التدريب ويبدأ الاستنزاف.
اليوم، تتنوع المناوبات الطبية في العالم بين مناوبات 24 ساعة متواصلة ومناوبات تمتد إلى 36 ساعة في بعض التخصصات ومناوبات ليلية جزئية وأنظمة تناوب مرن تقلل ساعات العمل المتواصلة.
هذا التنوع يعكس محاولة الأنظمة الصحية التوفيق بين حاجة المريض وسلامة الطبيب.
في السعودية لا يمكن إنكار أن نظام المناوبات المتبع هو امتداد مباشر لفلسفة الرجل الذي تطرقت إلى الحديث عنه في بداية المقال، مع تعديلات تنظيمية تتفاوت بين جهة وأخرى.
السؤال هنا ليس هل تبنّيناها؟ بل كيف نطوّرها؟
العمل عن حب... لا يلغي حدود الجسد.
قد يعمل الطبيب بدافع الشغف، بل قد يختار مهنته عن قناعة وحب، لكن الحب وحده لا يصنع طاقة لا تنضب.
حتى لو وُجدت غرفة خاصة داخل المستشفى أو مساحة للراحة، فإنها لا تعوّض راحة المنزل، ولا تمنح الجسد والعقل استعادة كاملة للتوازن.
النوم المتقطع.. الضجيج.. الاستعداد الدائم للطوارئ.. كل ما مضى وأكثر تعد عوامل تمنع الراحة الحقيقية.
وهنا يبرز سؤال منطقي: هل يعقل أن يعمل إنسان أكثر من يوم متواصل؟
في عالم تُحدَّد فيه ساعات العمل الطبيعية بثماني ساعات، يصبح تجاوز هذا الحد لساعات طويلة استثناءً يحتاج إلى مراجعة، لا قاعدة يُفترض التسليم بها.
العمل الطبي كغيره من الأعمال، ليس معصومًا من الخطأ، لكن الفارق الجوهري أن خطأ الطبيب لا يُقاس بخسارة مادية، بل قد يُقاس بحياة إنسان!
الإرهاق وقلة النوم واستنزاف التركيز.. كلها عوامل ترفع احتمالية الخطأ، والطبيب المرهق ليس طبيبًا ضعيفًا، بل إنسانًا يعمل خارج حدود طاقته.
إن الإصرار على أن «الطبيب يجب أن يتحمل» قد يبدو بطولة لغوية، لكنه في الواقع مجازفة صحية.. على الطبيب والمريض معًا.
العمل فوق الطاقة لا يعني تعبًا عابرًا فقط، بل استنزاف طاقة.. استنزاف تركيز.. استنزاف صحة نفسية وجسدية.. استنزاف جودة القرار الطبي وهلم جرا.
هذا الاستنزاف لا يظهر فجأة، بل يتراكم بصمت، حتى يتحول إلى احتراق مهني أو أخطاء طبية أو انسحاب من المهنة!
حلول ممكنة.. من الواقع لا من المثاليات
في السياق السعودي، يمكن التفكير في حلول عملية، منها:
1 - تحديد صارم لساعات المناوبة المتواصلة بحسب التخصص.
2 - توسيع نظام المناوبات القصيرة المتداخلة بدل الطويلة.
3 - زيادة الكوادر الطبية لتقليل الضغط على الفرد.
4 - إدخال أنظمة تقييم الإرهاق ضمن جودة الأداء.
5 - فصل التدريب عن الاستنزاف بمعنى تدريب مكثف دون إنهاك.
6. ثقافة مؤسسية تعترف بالإرهاق بدل إنكاره.
هذه الحلول لا تُضعف النظام الصحي بل تقوّيه، لأن الطبيب المتوازن هو الأقدر على العطاء.