د. أحمد محمد القزعل
لقد ورد مصطلح الأمن ومشتقاته في أكثر من موضع في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وبصيغ متعددة، مما يدل على أهميته وضرورة وجوده؛ لينعم المجتمع الإسلامي بالسعادة والرفاهية، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، (سورة البقرة: 126).
وقال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)، (سورة آل عمران: 96 - 97).
لقد كان المطلب الأول للنبي إبراهيم -عليه السلام- من ربه هو نعمة الأمن (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا)، (سورة إبراهيم: 35)، وقد جعل الله تعالى الأمن من خصائص البيت العتيق، الذي اختصه الله تعالى بالمكانة والمنزلة والفضل ما ليس لغيره من الأماكن، وكان من أسباب ذلك الأمن دعوة إبراهيم -عليه السلام- ربه أن يجعل البيت الحرام آمناً، يطمئن الناس فيه ويأمنون على أنفسهم ودمائهم وأموالهم وعبادتهم.
فالأمن هو أساس انتظام حياة الناس وهو منطلق التنمية المجتمعية، ووجوده ضرورة حياتية وشرعية، فلا مجال للتنمية والتطور والعيش الكريم دون توافر نعمة الأمن في المجتمع.
ولأهمية الأمن في حياة الشعوب كان من أولويات الرسول -عليه الصلاة والسلام- عندما هاجر من مكة إلى المدينة أن وضع وثيقة المدينة التي نظم فيها العلاقة بين المسلمين من جهة وبين المسلمين وأهل الكتاب داخل المجتمع المسلم من جهة أخرى، والتي كان الهدف منها تحقيق الأمن والاستقرار للمجتمع، كما قابل النبي -عليه الصلاة والسلام- قسوة قريش وجبروتها مع المسلمين في مكة عندما دخلها فاتحاً بالعفو والصَفح، ثم آخى -عليه الصلاة والسلام- بين المهاجرين والأنصار، حتى يتحقق الانصهار الاجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد، فتذوب بينهم الفوارق والطبقات الاجتماعية، وتسود المحبة والمودة والتراحم بينهم، وتنتفي الأحقاد والضغائن ويسود الأمن والاستقرار، مما يدل على أهمية نعمة الأمن في حياة الناس، وأن هذه النعمة هي من أهم الضرورات الواجب تحقيقها في المجتمع.
ولقد جعل الله تعالى الأمن والطمأنينة من ثواب المتقين وجزائهم في الدنيا والآخرة، فدل ذلك على عظم هذه النعمة في الدَارين، وأثرها في تحقيق السعادة في نفوس أفراد المجتمع كله، ولقد امتن الله -عز وجل- على قريش بنعمة الأمن، ولولا عظم هذه النعمة لما أوردها الله تعالى في معرض البيان والامتنان، كما بينت الآيات الكريمة أنه لا يمكن تحقيق العبادة على وجهها الأكمل إلا بتوافر الأمن والاستقرار.
قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ)، (سورة النحل: 112)، لقد بينت الآية الكريمة انقلاب الأمن والاطمئنان إلى جوع وخوف وبؤس، وذلك بسبب كفر أهل هذه القرية بأنعم الله -عز وجل-، فعندما ذهب الرزق حل الجوع، وعندما ذهب الأمن حلَ الخوف، مما يوضح أن القرية تظل آمنة ما آمنت بالله، فإن كفرت أذاقها الله لباس الجوع والخوف، فالأمن والاستقرار دليل الإنتاج والتقدم والازدهار، أما الخوف والاضطراب، فهما أدلة التراجع وفقدان الثقة وانتشار الفوضى.
حقيقة لقد اشتملت الشريعة الإسلامية على العديد من الأحكام التي تحقق مقومات الأمن الاجتماعي من خلال الآيات القرآنية التي تأمر بحفظ النفس البشرية، وتحريم إزهاقها والاعتداء عليها، كما حفظت الشريعة الأعراض والأموال، ومنعت السرقة وأكل أموال الناس بالباطل، وحفظت عقل الإنسان، فحرمت المسكرات والمخدرات، وأسهمت الشريعة الإسلامية في خلق جو من الأمن الاجتماعي من خلال تحريم نشر الشائعات والأخبار غير المتيقنة التي تمس الأفراد والمجتمعات وقد تؤدي إلى النيل من أعراضهم أو مكانتهم، مما يؤدي إلى تدمير المجتمع وتفتيت لحمته، وكل هذه المبادئ والأحكام تعد من أهم مقومات الأمن المجتمعي في الإسلام.