د. محمد بن أحمد غروي
شهدتْ منطقة جنوب شرق آسيا خلال عام 2025 العديد من الأحداث الفارقة والمهمة، التي رمت بظلالها ليس فقط على الساحة الآسيوية، بل العالمية أيضًا. شهد العام المنصرم ترؤس ماليزيا لآسيان وانضمام عضو جديد للرابطة، وتصاعدت حدة التوتر على الحدود الكمبودية التايلاندية، كما أثرت سياسات ترامب الجمركية على دول المنطقة واقتصادها.
خلال قمة آسيان السابعة والأربعين، تم الإعلان عن انضمام دولة تيمور الشرقية إلى رابطة آسيان رسميًا لتصبح العضو الحادي عشر للرابطة الإقليمية التي ظلت نحو عقدين بقوامها ذي العشرة أعضاء. يأتي ذلك تتويجًا لجهود تيمور الشرقية التي سعت للانضمام إلى الرابطة منذ 2002 حين حصلت على عضوية مراقب، ثم في عام 2011 تقدمت ديلي رسميًا بطلب العضوية الكاملة في آسيان، وقادت البلاد حملة كبرى في 2019 بقيادة وزير الخارجية لحشد الدول العشر للموافقة على انضمامها.
الرئاسة الماليزية لآسيان حملت شعار «الشمولية والاستدامة» وشملت تحركات على مستوى عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وكان من أبرز أولوياتها تعزيز العلاقات مع الأطراف الخارجية اقتصاديًا ودبلوماسيًا، ودفع النمو الاقتصادي لدول آسيان مع التأكيد على نهج الرابطة المحايد للحفاظ على توازن العلاقات مع القوى الكبرى عالميًا. كما شهدت كوالالمبور قمة تاريخية هي الثانية بين دول مجلس التعاون الخليجي ورابطة آسيان وكذلك النسخة الأولى من قمة الخليج-آسيان-الصين، والتي وُصفت بـ «لحظة تاريخية في التعاون الدولي». أعتقد أن ماليزيا نجحت في صياغة رؤية آسيان 2045 الجديدة وعكست زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى ماليزيا لحضور قمة آسيان الأهمية التي توليها الإدارة الأمريكية للمنطقة وحرصها على تعزيز العلاقات مع الرابطة، وكانت هي الزيارة الأولى لرئيس أمريكي منذ زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في 2014 .
أما الصراع الحدودي بين تايلاند وكمبوديا فقد شكل نقطة فاصلة في الأوضاع السياسية والعسكرية بالمنطقة، إذ هدد المنطقة بالاضطراب وألقى بظلاله على العلاقات داخل الرابطة الإقليمية وما تسعى إليه من دفع نموها الاقتصادي. ويرجع الصراع العسكري الحدودي بين البلدين إلى حادثة في فبراير الماضي في منطقة حدودية متنازع عليها بين البلدين. وقد تدخلت عدة أطراف إقليمية ودولية على رأسها ماليزيا والولايات المتحدة لخفض التوترات العسكرية، ونجحت في التوصل لوقف لإطلاق نار ثم توقيع «اتفاق كوالالمبور السلام» بين تايلاند وكمبوديا برعاية ترامب، لكن الاتفاق لم يصمد طويلًا. فبعد ستة أسابيع من توقيع الاتفاق تجدد الصراع الحدودي بين الجانبين، وأسفر عن مقتل أكثر من 40 شخصاً وتشريد ما يزيد عن 900 ألف شخص من كلا الجانبين، وهو ما استدعى جولة جديدة من المحادثات التي استضافت الصين بعضها.
كما مرت آسيان بعدد من الكوارث الطبيعية الكبرى والمدمرة خلال العام المنصرم وزلازل طالت ميانمار وفيتنام وإندونيسيا وتايلاند، وفياضانات وانهيارات أرضية شلت الحركة في مدن في ماليزيا وإندونيسيا والفلبين.
اقتصاديًا، تأثرت آسيان بما أعلنته إدارة ترامب في إبريل الماضي عن فرض تعريفات جمركية على عدد من دول العالم، كان في مقدمتها دول جنوب شرق آسيا، ووصلت التعريفات الجمركية المفروضة إلى 49 % في كمبوديا، ولاوس 48 %، وفيتنام 46 %، وميانمار 45 %، تايلاند 37 %، وإندونيسيا 32 %، وماليزيا 24 %، وبروناي 24 %، والفلبين 18 %، وسنغافورة 10 %. وأدت هذه الخطوة إلى زعزعة ثقة دول جنوب شرق آسيا بالولايات المتحدة، مما هدد سلاسل التوريد الإقليمية وخطط الاستثمار القائمة على الوصول إلى السوق الأمريكية. وسارعت دول مثل فيتنام إلى إبرام اتفاقيات ثنائية، بينما دعا قادة رابطة آسيان إلى الوحدة الإقليمية وتعزيز التكامل.
سياسيًا كانت سنغافورة على موعد مع الانتخابات العامة لرسم سياسات البلاد العامة للسنوات المقبلة وتوجه 2.7 مليون سنغافوري إلى صناديق الاقتراع، وجاءت النتيجة بفوز الحزب الحاكم «حزب العمل الشعبي» ليستمر في حكمه سنغافورة منذ استقلالها عام 1965، ليستمر رئيس الوزراء لورانس وونغ في منصبه. أما في الفلبين فقد كان الوضع مختلفًا، حيث أشارت نتائج التجديد النصفي في مايو 2025، إلى تراجع شعبية الرئيس الفلبيني ماركوس الابن لصالح حلفاء عائلة دوتيرتي. كما طالت إندونيسيا مظاهرات شبابية، في أغسطس الماضي، احتجاجًا على الأوضاع المعيشية والاقتصادية وضعف الأجور وتسببت في مقتل أحد عشر شخصًا، وإصابة المئات.
مَثَّل عام 2025 علامة فارقة في تاريخ آسيان بانضمام عضو جديد للرابطة الإقليمية لتوسع نهجها الذي بنته على التعاون وتعزيز النمو الاقتصادي لدول المنطقة، لكن الصراع الذي اندلع بين الجارتين كمبوديا وتايلاند إضافة إلى التوترات السياسية الداخلية في عدد من العواصم بات يهدد استقرار الرابطة.