رسيني الرسيني
كلما ذُكر متانة اقتصاد المملكة عند البعض، اختُزل الحديث في النفط، وكأن حسن إدارة الهِبة أمرٌ بديهي. والحقيقة أن إدارة هذه الثروة ليست طريقًا سهلًا وسط أسواق متقلبة، وتوازنات دولية حساسة، وأعين العالم شاخصة إلى كل برميل. فوجود النفط في باطن الأرض ليس شهادة فورية على الثراء، ولا ضمانًا لازدهارٍ دائم. فكم من دولٍ حَبتها الطبيعة بالذهب الأسود، لكنها عجزت عن تحويله إلى تنميةٍ مستدامة، وكم من اقتصاداتٍ نمت بلا قطرة نفط واحدة. فالنجاح هنا ليس في وجود النفط فقط، بل في الرؤية، والحوكمة، والقدرة على تحويل مورد ناضب إلى قيمةٍ متجددة تخدم الإنسان قبل الميزانيات.
تقدّم فنزويلا مثالًا صارخًا على أن وفرة النفط لا تعني قوة الاقتصاد. فعلى الرغم من امتلاكها أكبر احتياطيات النفط عالميًا، عانت من اقتصادٍ هشّ، وعملةٍ منهارة، وتضخمٍ التهم دخل الفرد، حتى في فترات بيع فيها النفط بأسعار مرتفعة، حيث لم يكن الخلل في المورد، بل في الإدارة والسياسات؛ إذ طغت الشعبوية، وتآكلت المؤسسات، وتراجع الاستثمار، فاختنق الإنتاج وتدهورت الخدمات. ومع تعقّد المشهد، تصاعدت الصراعات السياسية، واشتدت المواجهة مع الولايات المتحدة مؤخرًا، لتدخل البلاد في دائرة من المشاكل زادت الضغوط على الاقتصاد والمجتمع. هكذا تحوّل النفط من فرصةٍ للنهضة إلى عبءٍ ثقيل حين غابت الإدارة الرشيدة.
قصة فنزويلا ليست استثناءً؛ ففي منطقتنا العربية شواهد متعددة لدولٍ امتلكت النفط أو ثرواتٍ طبيعية وافرة، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على رفاه الشعوب أو متانة الاقتصاد. بل تتكاثر الأمثلة إذا أُضيفت الثروات غير المستغلة من معادن ومياه ومواقع إستراتيجية. فالعامل الحاسم هنا ليس وفرة الموارد، بل جودة القرار، وكفاءة الإدارة الاقتصادية، والنَّفَس الطويل في العمل الدبلوماسي والسياسي. فالثروة تحتاج إطارًا مؤسسيًا يحميها من التقلبات، ويمنع تبديدها في دورات قصيرة الأجل. ومن دون ذلك، تتحول الموارد إلى مصدر توتر بدل أن تكون رافعة استقرار.
اقتصاديًا، تؤكد التجارب أن الموارد الطبيعية قد تتحول إلى «لعنة» إذا غابت الحكمة، والعلاج ليس بإنكار المورد، بل بإدارته ضمن رؤية شاملة تضمن تنويع القاعدة الإنتاجية، وتوجيه الفوائض لاستثمار طويل الأجل، وتعزيز الشفافية والاستقرار المؤسسي، والأهم من هذا كله بناء رأس مال بشري. بالإضافة إلى ذلك، السياسة الخارجية المتوازنة تقلل المخاطر الجيوسياسية وتزيد جاذبية السوق المحلي. وبمختصر القول: النفط ليس كل شيء؛ فالقيمة الحقيقية تُصنع عندما تُدار الثروة بعقلٍ اقتصادي، وإرادة سياسية حكيمة، ومؤسسات قادرة على تحويل المورد إلى تنميةٍ مستدامة.
حسنًا، ثم ماذا؟
النفط امتحانٌ صعب لمدى نضج السياسات الاقتصادية وحكمة الإدارة، وهكذا تتميز الدول عن غيرها.