م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1 - انتقال الأوروبيين من عصورهم الوسطى (المظلمة) إلى عصور الحداثة (الأنوار) وَلَّد في منتصف رحلة الانتقال هذه مرحلة هجينة، اختلط فيها القديم بالحديث، وأربك المفاهيم وشوش الأفكار.. مرحلة قامت إما على تلبيس الخطاب (الشكل) الحديث على مضمون قديم، أو تلبيس (تقديم) المضمون الحديث بالخطاب القديم.. وفي كلتا الحالتين هما محاولتان للقول بأن الفكر الحديث لا يناقض الفكر القديم بل تم تجديده بصيغة حديثة لكنه لا يخل بالمضمون، أي أن التجديد لامس الشكل فقط، لكن أصل القديم ومرتكزاته ومنطلقاته لم تُمس.. هذه المرحلة في حقيقتها محاولة لطمأنة المُسْتَهْدَفين وتسهيل قبولهم للجديد وهضمه بلا حرج ولا خشية من الإثم، حيث إن الأفكار والمفاهيم القديمة لدى العامة استقرت في أذهانهم مع تتالي الزمن ووصلت إلى مرحلة التقديس ولا يريدون التصادم معها.
2 - مر العالم العربي بتلك المرحلة الهجينة في ستينيات القرن الميلادي الماضي، وتم تقديم الفكر القديم بلباس جديد رفضه المقاومون للحداثة وأسموه (تغريب)، أما الداعون للحداثة فقد رفضوا تقديم المضمون القديم بلباس جديد وأسموه (أسلمة).. المقاومون للحداثة رفضوا محاولات إلباس المضمون القديم التي وصفوها (بالأصالة) بلباس جديد، لأن العملية كلها مدخل يبدأ بتغيير الشكل للوصول للمضمون وتغييره.. والمضمون في نظرهم مقدس حتى ولو كان من العادات المتوارثة وليس من الدين، لكنها وسيلة للوصول للدين ذاته لهدمه! أما الداعون للحداثة فقد وجدوا أن تقديم الأفكار الحديثة للعامة بعد إلباسها الثوب المؤسلم فيه كذب وتهافت ليس الإسلام ولا المسلمين بحاجة إليه، وأن هذه العملية سوف تشوه الحداثة، وأننا هنا سوف نكون أمام حداثة هجينة مبتورة الأطراف مقلوبة الفهم ملتوية المفاهيم.
3 - العالم الإسلامي اليوم يعيش في المنطقة الوسطى التي أسماها الغرب بالمرحلة الهجينة، وهي كما ذكرنا المرحلة الواقعة بين العصور القديمة المنغلقة، والعصر الحديث المنفتح إلى مالا نهاية.. وانفتاح العصر الحديث هو الذي يخيف الرافضين للتغيير ويقاومونه تحت مختلف المحاذير، سواء كانت دينية أو ثقافية أو درءاً للنفس من الاتباعية الانقيادية.. أي أن العالمين العربي والإسلامي يقعان اليوم بين عالمين متباعدين، بل عالمان متنافران، كل واحد منهما يدعو إلى القطيعة الكلية مع الآخر.. ومع هذا فإن هذه المرحلة الهجينة التي يمكن أن نسميها «تغريب التراث» أو «أسلمة الحداثة» ستهيمن على مدارك الناس وأفهامهم لفترة طويلة، ويتم خلالها التخلص من المضمون القديم تدريجياً وإحلال المضمون الحديث داخل اللباس الحديث.
4 - معركة الداعين للحداثة والمناوئين لها معركة لن تنتهي أبداً، بل ستكون معركة ممتدة وإن اتخذت أشكالاً وصفات مختلفة، وإن شهدت في مراحل ما تقدماً سريعاً للأمام أو نكوصاً إلى الوراء.. فمعركة إلباس المضمون القديم بلباس جديد أو إلباس المضمون الجديد بلباس قديم معركة ستبقى ما بقي البشر، رغم أنها ستخلق أغلاطاً إدراكية، تصدر بسببها أحكام خاطئة وتُتَّخذ مواقف ازدواجية، تجمد الفكر الانتقادي والقدرة على التحليل.