فاطمة صالح الغامدي
لأن القائد الحقيقي لا يُدير فقط... بل يُلهم ويترك أثرًا لا يُمحى.
«الإشراف يُوجّه العقول، والإلهام يُحرّك القلوب... وبينهما يُولد الفرق.»
في كل مؤسسةٍ هناك من يُدير العمل وهناك من يُحييه.
الأول يتابع تفاصيل الجداول والخطط والملفات، والثاني يزرع الشغف في التفاصيل نفسها لتتحول من مهام إلى معنى وبين الاثنين يُقاس الفرق بين القيادة بوصفها وظيفة والقيادة بوصفها رسالة.
القيادة التي تُحدث الفرق ليست تلك التي تملأ الاجتماعات بالأوامر، بل تلك التي تملأ النفوس بالثقة ليست التي تتحدث كثيرًا بل التي تُصغي جيدًا وليست التي تبحث عن الأخطاء لتُحاسب بل عن الطاقات لتُحفّز.
القائد الملهم يدرك أن أعظم ما يمكن أن يفعله ليس تصحيح مسار عملٍ مؤقت بل بناء إنسانٍ قادر على مواصلة الطريق.
هو الذي يجعل من بيئة العمل مساحةً للنمو الذاتي والمهني لا مجرد مكانٍ لإنجاز المهام اليومية يرى في كل موظف قيمة فريدة يمكن أن تُضيف شيئًا مهما بدا صغيرًا في الظاهر.
عندما يتحول الإشراف إلى إلهام يتغيّر كل شيء.
تتبدّل لغة الفريق من «هو طلب» إلى «نحن أنجزنا»
تتحوّل الأوامر إلى مبادرات والتعليمات إلى رغبة صادقة في العمل.
يُصبح الالتزام طوعيًا وتُستبدل ثقافة «الخوف من المحاسبة» بثقافة «الحرص على الإتقان»
القائد الملهم لا يكتفي بإدارة الأداء بل يخلق روح الفريق التي تجعل الجميع يسيرون في الاتجاه نفسه دون أن يُجبرهم على ذلك.
هو من يُشعل الحماس بالقدوة ويُعلّم بالصمت أحيانًا أكثر من الكلام.
فحين يرى موظفوه أنه يشاركهم التعب قبل أن يطالبهم بالإنجاز يوقن كلٌّ منهم أنه جزء من حكاية نجاحٍ تُروى باسم الجميع.
وفي زمن التحول الوطني الذي تعيشه المملكة ضمن رؤية 2030 لم تعد القيادة مجرّد إدارة للموارد بل أصبحت فنًّا لإدارة العقول والقلوب.
نحن اليوم بحاجة إلى قادة يُتقنون لغة الإلهام بقدر ما يُتقنون لغة التخطيط؛ لأن الكفاءة بلا شغف تُنتج عملًا مؤقتًا أما الكفاءة المصحوبة بالإلهام فتُنتج أثرًا مستدامًا.
الإلهام في القيادة ليس شعارًا شعوريًا بل ممارسة واقعية تنعكس في طريقة التواصل واتخاذ القرار وبناء الثقة داخل الفرق.
فالقائد الذي يُشرك فريقه في التفكير يشعرهم بالمسؤولية والذي يمنحهم مساحةً للتجربة يزرع فيهم الإبداع والذي يحتفي بإنجازهم قبل إنجازه يغرس فيهم الولاء.
وحين يسود الإلهام تتغير مؤشرات الأداء دون الحاجة إلى ضغطٍ أو رقابةٍ مفرطة.
تُختصر الاجتماعات ويعلو صوت الإنجاز على صوت العذر.
تتحوّل بيئة العمل إلى كيانٍ نابضٍ بالثقة والروح لأن الجميع يشعر أنه يُساهم في بناء شيءٍ أكبر من نفسه.
القيادة الملهمة أيضًا تمتاز بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص.
حين تواجه المؤسسة تحديًا لا تنشغل باللوم بل تبحث عن الدرس.
تتعامل مع الخطأ بعين المعالجة لا الإدانة فتُحوّل التوتر إلى طاقة تطوير.
وفي هذا الإطار يتجلّى الفرق بين من «يتحكم» في الموقف ومن «يحتويه».
القائد الذي يُلهم لا يترك بصمته في التقارير ولا في المكاتب بل في الذاكرة الجمعية لمن عملوا معه.
يظل حاضرًا في أحاديثهم حتى بعد غيابه لأنهم لم يروا فيه مسؤولًا فقط بل إنسانًا قدّرهم وآمن بهم وارتقى معهم.
وفي نهاية المطاف القيادة التي تُحدث الفرق ليست تلك التي تُصدر التعليمات بل التي تبعث الحياة في من ينفّذونها.
هي التي تُذكّر الفريق دومًا بأن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالكمّ بل بالكيف ولا بالمنجزات فحسب بل بالقلوب التي شاركت في صنعها.
فالإشراف قد يُنهي مهمة أما الإلهام فهو بداية لمسيرةٍ لا تنتهي.
وبين القائد الذي يُشرف والقائد الذي يُلهم.. تُكتب الفروق في التاريخ، لا في التقارير.