خالد محمد الدوس
تّمر علينا هذه الأيام ذكرى مؤلمة، هي ذكرى رحيل الأحبة والصالحين، أولئك الذين تركوا في حياتنا بصمات لا تمحى، وغرسوا في قلوبنا معاني الخير التي ننعم بظلالها إلى اليوم. ومن هذه المدارس التربوية الإيمانية «العمة الصالحة الناصحة، موضي بنت ناصر الدرح، -رحمها الله تعالى- التي انتقلت إلى جوار ربها قبل سنوات مضت في عقدها التاسع أو يزيد.
إن فقدان مثل هذه المدارس العظيمة في منهجها الايماني والقيمي ليس مجرد غياب جسدي؛ إنه جرح في القلب الحي، وفراغ في المشهد الإنساني، وشعور دائم بالحاجة إلى حنانها ونصحها!
في سيرتها النيّرة.. تظهر لنا من خلالها.. أبناءها وأحفادها كمرأة سلفية محورية صالحة، كان لها الأثر الأكبر في تشكيل القيم النبيلة في أسرتها. فهي الأم الحنون والمربية الفاضلة التي ربَّت جيلاً على الـبّر وصلة الرحم والإحسان إلى الآخرين. كانت صلاة الفجر محكا حقيقيا لتربيتها، واهتمامها الروحي الفريد لهذه الفريضة العظيمة، فهي لم تكن حريصة على نفسها فحسب.. بل جعلت بيتها (منارةً للعبادة)، ويذكر حفيدها الأخ النبيل (فهد بن عبد الله اليوسف) في هذا السياق «أن الجّدة موضي.. كانت تتفقد أبناءها وأحفادها بنفسها لإيقاظهم لصلاة الفجر».. مما يجعل العبادة عادة راسخة في حياة الأجيال. لأنها -رحمها الله- كانت تعلم أن المحافظة على صلاة الفجر جماعة تُحدث في القلب «فسحة ونوراً وراحةً وسعادةَ وجدانية». وهي ما كانت تريد أن تغرسُه في قلوب من حولها. فحُب الصلاة والبـّر والترابط الأسري والقيم الأخلاقية التي غرستها ما زالت ثابتة في سلوك أبنائها.. فهذا هو إرثها الحقيقي الذي لا يفنى.
برزت (العمة موضي) كحاضنة أسرية عظيمة لا تقتصر أمومتها على أبنائها فحسب.. بل في تربية غيرهم فبعد وفاة الجدة (سلطانة مبارك السلطان) رحمها الله تعالى عام 1339هـ، وقتها كان والدي -رحمه الله- لا يتجاوز «عامه ونصف العام»!! وانتقلت هذه الأمومة إلى مستوى أسمى، حيث تولت (العمة موضي) مهمة تربية ورعاية أخيها الطفل (محمد) وكانت تكبره بـ(12 سنة)!! فحملت على عاتقها مسؤولية الأم الحنون والمربية الحكيمة، وبالتالي جمعت بين حنان الأخت الكبرى ومسؤولية الأم البديلة، فلم تكن رعايتها لأخيه مجرد تأمين للمأكل والمشرب، بل كانت «تنشئة متكاملة» على القيم والدين والفضيلة والأخلاق فغرست فيه منذ نعومة أظفاره ما سيكون عليه من صلاح لاحقاً، وهي واثقةً بالله الكريم.. كبر (والدي) وكبرت (عمتي) وأصبح يلازمها حباً وبرّا ووفاءً وإجلالا لمكانتها وقدرها عنده إلى أن توفت رحمها الله وبكى عليها الوالد بحزن وألم وهو يردد (ماتت أمي موضي)..!!
في طفولتي كنت أسعد جداً حين تزورنا العمة موضي -رحمها الله- في بيت الوالد وتمكث عدة أيام وكانت تعطف علي كثيرا لأني فقدت والدتي «نورة الموينع» وأنا في (شهري السادس)..! فعاشت جزءا من معاناة الفقد..! بقلبها الحنون وعطفها الإحساني.. فكانت مدرسة من القيم الاجتماعية الأصيلة والشيم التربوية الفضيلة.
وعلى صعيد عائلتها أبناء الشيخ «محمد بن يوسف» رحمه الله.. فقد وُصفت بأنها كانت محط بـر وعناية أبنائها: العم عبد الله والعم يوسف رحمهما الله وبناتها العمات نورة وطرفة وسلطانة، حيث كانوا يحرصون أشد الحرص على برّها وطاعتها وتفقد أحوالها. هذا البـر العملي من أبنائها هو أعظم شهادة على قدْرها ومكانتها كأم صالحة ناصحة، استطاعت بقلبها الحاني وحكمتها أن تغرس فيهم قيم التواضع والعطف والحنان، ليس داخل نطاق الأسرة فحسب، بل امتد أثرها ليشمل التعامل مع الأقارب والغير بالخلق الحسن. إنها (التربية بالقدوة) التي تصنع الرجال، فكان أبناؤها مدرسة في الإنسانية والقيم والفضيلة والأصالة.
إن فراق مثل هذه القدوة الصالحة هو من أشد الابتلاءات على القلب.. لأنه فقد لمصدر من مصادر الحبُ غير المشروط، والنصح المخلص، والدعاء الصادق. إنه جرح يذكرنا بهشاشة الحياة، ويدعونا إلى التمسك بوصايا من رحلوا عنا، وجعل ذكراهم وقوداً لأعمالنا الصالحة في دروب هذه الحياة الفانية.
كلما تذكرنا حنانها ونصحها وطيبتها المتناهية، اشتدت لوعة الفقد، ولكنها في الوقت نفسه تتحول إلى دافع للاقتداء بسلوكها ومنهجها السليم. فهي التي لم تكن تحبس خيرها على نفسها، بل كان عطاؤها المعنوي والأخلاقي هو إرثها الأكبر. وفي ذكرى رحيلها، نتذكر أن الموت حق، ولكن أثر الصالحين والصالحات باقٍ في الدنيا بأعمالهم، وفي الآخرة بأجرهم الذي لا ينقطع.
إن ذكرى رحيل (العمة موضي) -غفر الله لها- تذكرنا جميعاً بأمهاتنا وجداتنا الصالحات، تلك القلوب العظيمة التي كانت مدارس للإيمان والحنان والإحسان. فاللهم ارحمها، وأسكنها فسيح جناتك، واجعلها من الذين قلت فيهم: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}.