غسان برنجي
لم يكن مفهوم الخدمة العامة في أي وقت مجرد مسألة تقنية أو إجراء إداري يُنجز ثم يُطوى ملفه، بل كان دائمًا انعكاسًا مباشرًا لطريقة تفكير الدولة في علاقتها بمواطنيها. لعقود طويلة، عاشت الخدمة العامة داخل إطار تقليدي واضح، تُقدَّم بوصفها واجبًا تؤديه الجهة، ويُنتظر من المواطن أن يتكيّف مع شروطه، وأن يتحمّل تعقيداته، وأن يقبل بطوله وبطئه باعتباره أمرًا طبيعيًا لا بديل عنه.
لم يكن السؤال المطروح آنذاك هو: هل كانت الخدمة عادلة أو سهلة أو منصفة؟ بل كان السؤال الوحيد تقريبًا: هل اكتملت المعاملة وفق النظام؟
في ذلك النموذج، كانت الخدمة تبدأ من داخل المؤسسة وتنتهي داخلها. الأوراق تُوقّع، الملفات تُغلق، التواقيع تُستكمل، والتقارير تُرفع، فيما يبقى أثر الخدمة الحقيقي على حياة المواطن خارج الحسابات.
كان النجاح يُقاس من زاوية إدارية صرفة، وكان رضا المستفيد مفهومًا ضبابيًا لا يُبنى عليه قرار ولا تُراجع على أساسه تجربة. هكذا تشكّل مفهوم تقليدي للخدمة العامة، مفهوم يرى الإجراء غاية بحد ذاته، ويرى المواطن جزءًا من المعادلة لا مركزها.
هذا المفهوم لم يولد من فراغ، بل تشكّل في زمن كانت فيه الدولة تُدار بمنطق مختلف، وكانت فيه المجتمعات أقل سرعة، وأقل قدرة على المقارنة، وأقل وعيًا بحقوق الوقت والوضوح. لكن هذا المفهوم نفسه لم يصمد طويلًا أمام عالم تغيّر بوتيرة غير مسبوقة.
مع تسارع الحياة، وارتفاع مستوى الوعي، وتحوّل التقنية من أداة مساعدة إلى عنصر يومي لا ينفصل عن تفاصيل الناس، بدأت الفجوة تتسع بين ما يعيشه المواطن في بقية جوانب حياته، وما يواجهه عند تعامله مع الجهات العامة. أصبح المواطن يقارن، لا بين خدمة حكومية وأخرى، بل بين الخدمة الحكومية وتجربته في التسوق، وفي السفر، وفي الاتصالات، وفي التعليم، وفي الصحة.
هذه المقارنة لم تكن ظالمة، لكنها كانت صادقة، لأنها لم تُبنَ على توقعات نظرية، بل على تجربة يومية يعيشها الفرد في كل تفاصيل حياته.
في لحظة ما، لم يعد من الممكن تبرير التعقيد باسم النظام، ولا البطء باسم الإجراءات، ولا الغموض باسم اللوائح. لم يعد المواطن يسأل: ماذا يتطلب النظام؟ بل أصبح يسأل سؤالًا أعمق: لماذا وُضع النظام بهذه الطريقة أصلًا؟ ومن هنا، بدأ التغيير الحقيقي في مفهوم الخدمة العامة، ليس كتطوير شكلي، بل كتحوّل جذري في الفلسفة.
ما تغيّر فعلًا لم يكن الواجهة، بل نقطة البداية نفسها. في النموذج القديم، كانت الخدمة تبدأ من الجهة وتنتهي عند المواطن. في النموذج الجديد، بدأت من المواطن وعادت إلى الجهة. لم تعد الخدمة تُصمَّم وفق ما هو أسهل للإدارة، بل وفق ما هو أوضح وأسهل للإنسان الذي يحتاجها. لم تعد المعاملة تُبنى حول الهيكل التنظيمي، بل حول رحلة الفرد منذ لحظة حاجته للخدمة وحتى لحظة حصوله عليها.
تغيّر السؤال من: كيف ننجز الطلب؟ إلى: كيف نُسهّل حياة من يقدّم الطلب؟ وهذا الفرق البسيط في الصياغة أعاد ترتيب المنظومة كاملة.
لم تعد العدالة في الخدمة العامة تعني أن يُعامل الجميع بنفس الخطوات وبنفس الوقت وبنفس التعقيد، لأن التجربة أثبتت أن المساواة الشكلية قد تكون أحيانًا ظلمًا مقنّعًا. أصبحت العدالة تعني أن يحصل كل فرد على ما يحتاجه بطريقة منصفة، دون أن يتحمّل عبء نظام لا يراه ولا يفهمه. تحوّلت المساواة من تكرار الخطوات إلى تحقيق الغاية، وتحول الالتزام الحرفي بالإجراء إلى التزام حقيقي بالنتيجة.
ومع هذا التحول، تغيّر دور الجهة الحكومية نفسها. لم تعد المؤسسة تقيس أداءها بما تنجزه داخليًا، بل بما يلمسه المواطن خارجيًا. لم يعد عدد المعاملات المغلقة دليلًا كافيًا على النجاح، بل أصبح مؤشرًا ناقصًا إن لم يُرافقه وضوح في الرحلة، وسهولة في الوصول، وجودة في التجربة. أصبحت الخدمة العامة تُقاس بالأثر الذي تتركه، لا بالكم الذي تنتجه، وبالنتيجة التي يلمسها الناس، لا بالعملية التي تكتمل على الورق.
هذا التغيير لم يكن سهلًا، لأنه لم يغيّر الإجراءات فقط، بل غيّر الثقافة المؤسسية ذاتها. في السابق، كان التعقيد يُبرَّر، وكان الخطأ يُخفى، وكان التأخير يُتقبّل بوصفه أمرًا طبيعيًا.
اليوم، تغيّر هذا المنطق جذريًا. الخطأ أصبح معلومة قابلة للتحليل، والتأخير أصبح مؤشرًا يجب تفسيره، والتعقيد أصبح علامة على خلل لا بد من معالجته. لم يعد مقبولًا أن يُحمّل المواطن عبء النظام، بل أصبح من واجب النظام أن يتكيّف مع حياة الناس لا العكس.
أحد أعمق التحولات في مفهوم الخدمة العامة كان انتقالها من كونها نشاطًا إداريًا إلى كونها عنصرًا أساسيًا في جودة الحياة. لم تعد الخدمة مسألة إنهاء طلب، بل مسألة وقت يُقتطع من حياة الإنسان، ووضوح يُخفف عنه القلق، وتأثير مباشر على تفاصيل يومه. أصبح الوقت جزءًا من الخدمة، وأصبح الوضوح جزءًا من الحق، وأصبح التعقيد تكلفة حقيقية لا يمكن تجاهلها أو تبريرها.
ومع هذا التحول، تغيّر موقع المواطن جذريًا داخل المعادلة. لم يعد مجرد متلقٍ صامت، بل أصبح شريكًا في التقييم. صوته يُقاس، تجربته تُحلّل، وملاحظته تُؤخذ بجدية. لم يعد ينتظر الشرح الطويل، بل يطلب النتيجة الواضحة. لم يعد يقبل بالتبرير، بل يقارن الأداء بما يراه في تجاربه الأخرى. ولم يعد يرى الجودة امتيازًا يُمنح، بل حق أصيل يجب أن يكون حاضرًا دائمًا.
في الوقت ذاته، تغيّر مفهوم التكامل في الخدمة العامة. في النموذج القديم، كانت كل جهة تعمل كجزيرة منفصلة، وكان المواطن هو حلقة الوصل بينها، ينتقل من مكتب إلى آخر، ويفسّر متطلبات هذه لتلك، ويحمل أخطاء التنسيق على عاتقه. في المفهوم الجديد، تغيّر هذا المنطق بالكامل. أصبحت الخدمة مسؤولية منظومة كاملة لا جهة واحدة. أصبح المطلوب أن تنتقل البيانات بدل أن ينتقل المواطن، وأن تتكامل الجهات بدل أن يتكامل الفرد نيابة عنها.
هذا الانتقال من مفهوم الجهة إلى مفهوم الدولة أعاد تعريف الخدمة العامة من أساسها. لم يعد مهمًا من قدّم الخدمة بقدر ما أصبح مهمًا أن تُقدَّم من البداية إلى النهاية بسلاسة ودون انقطاع، ودون تحميل المواطن عبء التنسيق أو المتابعة أو التفسير. الدولة الحديثة لم تعد مجموعة إدارات، بل منظومة واحدة تتحمّل التجربة كاملة.
كما تغيّر مفهوم المساءلة. لم تعد المساءلة داخلية فقط، تُمارس عبر تقارير ونماذج تُناقش خلف الأبواب، بل أصبحت مساءلة خارجية أيضًا، تُمارس عبر تجربة حقيقية يراها الناس يوميًا. الأداء أصبح مرئيًا، والنتائج أصبحت قابلة للمقارنة، والفرق بين الجيد والضعيف لم يعد قابلًا للإخفاء. هذه الشفافية لم تكن مجرد خيار، بل أصبحت جزءًا من تعريف الخدمة العامة الحديثة.
ومع الشفافية، تغيّر تعريف النجاح نفسه. لم يعد النجاح أن النظام يعمل، بل أن الإنسان يستفيد. لم يعد الإنجاز أن تُغلق الملفات في الوقت المحدد، بل أن تُفتح الحياة بشكل أسهل وأوضح وأقل تكلفة على الناس. هذه النقلة غيّرت نظرة الإدارة إلى دورها، وغيّرت توقعات المجتمع من مؤسساته، ورفعت سقف المحاسبة إلى مستوى غير مسبوق.
هذا التحول لم يأتِ دون ثمن. رفع سقف التوقعات، وكشف الفجوات، ووضع الأداء تحت الضوء العام. لكنه في المقابل أعاد بناء الثقة، وخلق علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، علاقة تقوم على الوضوح لا الغموض، وعلى التجربة لا الخطاب، وعلى النتيجة لا الوعد. علاقة تُبنى بالتراكم، لا بالشعارات.
اليوم، حين نتحدث عن الخدمة العامة، لم نعد نتحدث عن إجراء إداري منفصل، بل عن مفهوم سياسي واجتماعي وإنساني متكامل. نتحدث عن الطريقة التي ترى بها الدولة مواطنيها، وعن القيمة التي تضعها لوقتهم، وعن احترامها لحياتهم اليومية. الخدمة العامة أصبحت مرآة الدولة الحديثة، وأصدق مؤشر على جدية أي مشروع تحول، لأنها تُمارس يوميًا، وتُختبر في أبسط التفاصيل.
ما تغيّر فعلًا في مفهوم الخدمة العامة هو أن الدولة لم تعد تقول: هذا ما لدينا فاقبلوه. بل أصبحت تقول: كيف يمكن أن يكون ما لدينا أفضل، وأسهل، وأكثر عدلًا، وأكثر احترامًا لحياة الناس؟ هذا التحول في السؤال هو جوهر التحول كله.
وهذا التغيير، في جوهره العميق، لم يكن تغيير خدمة فقط، بل كان إعادة صياغة كاملة لعلاقة الدولة بالمجتمع، وإعادة تعريف لمعنى المسؤولية العامة، وبناء تصور جديد لدولة ترى في خدمة الإنسان بداية كل شيء لا نهايته.