صابرين البحري
لم يكن الخلاف يومًا في الرأي، ولا في اختلاف الزوايا، فذلك هو الحدّ الأدنى لأي مشهد ثقافي حيّ. الخلاف الحقيقي يبدأ حين يتحوّل الرأي إلى وصاية، وحين يلبس الحكم ثوب الحقيقة المطلقة، ويُقدَّم وكأنه خلاصة التاريخ لا اجتهاد لحظة.
نعيش اليوم زمنًا يكثر فيه المتكلمون، ويقل فيه من يقرأون فعلًا. أحكام تُلقى بثقة عالية، لكنها لا تقوم على معرفة راسخة، ولا على أثر ممتد، بل على استعجال، ورغبة في التقدّم خطوة أمام الآخرين، ولو على حساب الإنصاف. كأن بعضهم يريد أن يُعلن نفسه مرجعًا قبل أن يُمتحن، وقيمة قبل أن تُقاس، وتاريخًا قبل أن يُكتب.
المفارقة أن كثيرًا من هذا التعالي يُمارَس باسم الوعي، وباسم التجديد، وباسم كسر الأصنام، بينما هو في جوهره إعادة إنتاج لسلطة قديمة، لكن بملامح حديثة. نفس الميل إلى الإقصاء، نفس الاحتقار الصامت للآخرين، ونفس الاعتقاد بأن الساحة لا تتسع إلا لصوت واحد، وأن ما عداه هامش أو خطأ أو تأخّر عن الركب.
أما العمر، فيُستدعى حين يخدم المقارنة، ويُلغى حين يفضحها. يُقال إن الزمن لا يعني شيئًا، ثم يُلوّح به كدليل تفوق. وكأن التجربة عبء حين لا توافق الهوى، وفضيلة حين تصب في الاتجاه المطلوب. والحقيقة أن الزمن لا يمنح قيمة تلقائيًا، لكنه يكشف الزيف سريعًا، ويُسقط الادعاء مهما طال صوته.
المشهد الثقافي اليوم لا يعاني من قلّة المواهب، بل من وفرة الادعاءات. من أشخاص يريدون حصاد الثمرة قبل أن يزرعوا، وأن يُحتفى بهم قبل أن يُختبروا، وأن يُنصَّبوا قضاة قبل أن يتعلموا كيف يكون السؤال. وما يُقلق ليس هذا الطموح بحد ذاته، بل تحويله إلى خطاب إقصائي، يُصنّف ويُصادر ويُوزّع شهادات الاستحقاق وكأن الثقافة ملكية خاصة.
المشهد الثقافي ليس سباقًا، ولا إثبات حضور لحظي، ولا ردّ فعل على الاستعراض. هي مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهارة لغوية. ومن لا يحتمل وجود الآخرين، ولا يقبل بتعدّد الأصوات، ولا يرى في الاختلاف إلا تهديدًا، لن يصنع مشهدًا، بل سيكرّس هشاشته.
وفي النهاية، لا يحتاج التاريخ إلى من يصرخ باسمه، ولا إلى من يختصره في رأي. التاريخ يمشي ببطء، ويختار بهدوء، ولا يلتفت إلا لما كُتب بصدق، وعاش خارج لحظة الاستعراض. أما كل ما عدا ذلك، فسيبدو بعد حين كما هو الآن في حقيقته كلامًا كثيرًا، وأثرًا ضئيلًا.