سارة الشهري
هناك مقولة إنجليزية تقول:
Be friendly. Not friends.
كن ودوداً، لكن لا تكن صديقا.
هذه العبارة القصيرة لخصت مفهوم بالغ الأهمية في حياتنا العملية ألا وهو الذكاء المهني.
الذكاء المهني لا يعني التفوق التقني فقط، ولا كثرة الشهادات، ولا حتى سرعة الإنجاز.
هو قدرة الإنسان على فهم بيئة العمل، وإدارة علاقاته، وضبط سلوكه، واتخاذ قرارات متزنة تحمي مسيرته المهنية على المدى الطويل. هو ذلك الخط الرفيع بين الإنسانية والاحتراف، وبين القرب والحدود.
في بيئات العمل الحديثة، تشجع الأجواء الودية، والعمل بروح الفريق، والتواصل المفتوح. لكن المشكلة تبدأ حين تختلط الودية بالحميمية، وحين تتحول الزمالة إلى صداقة بلا ضوابط. هنا بالضبط يظهر دور الذكاء المهني أن تكون لطيفا دون أن تكون متورطا، قريبا دون أن تكون مكشوفا، ومتعاونا دون أن تفقد استقلالك.
ليس كل من يبتسم لك صديقا، وليس كل من يشاركك قهوتك في الاستراحة حليفا دائما. العمل بطبيعته مساحة تنافس، حتى وإن غُلف بشعارات التعاون. الذكاء المهني يجعلك تدرك هذه الحقيقة دون أن تتحول إلى شخص متشكك أو عدائي. أنت ودود، تحترم الجميع، تتواصل بإيجابية، لكنك لا تفرط في خصوصيتك ولا تكشف أوراقك كاملة.
من مظاهر الذكاء المهني أيضا معرفة متى تتكلم ومتى تصمت. ليس كل رأي يقال، ولا كل فكرة تشارك، ولا كل شكوى تُروى. البعض يعتقد أن الصراحة المطلقة شجاعة، بينما هي في أحيان كثيرة تهور مهني. الذكي مهنيا يزن كلماته، ويدرك أن بعض المعلومات مكانها الآمن هو الصمت.
كذلك، الذكاء المهني يظهر في إدارة الخلافات. في العمل، الخلاف أمر طبيعي، بل صحي أحيانا. لكن الفرق بين شخص ذكي مهنيا وآخر غير ذلك، هو طريقة التعامل مع الخلاف. الأول يناقش الفكرة لا الشخص، ويبحث عن الحل لا الانتصار، ويحفظ كرامته وكرامة غيره. أما الثاني فيحول الخلاف إلى معركة شخصية، يخسر فيها الجميع.
ولا يمكن الحديث عن الذكاء المهني دون التوقف عند مسألة الحدود. الحدود ليست جفاء، بل احترام للذات وللآخرين. أن ترفض بأدب، أن تعتذر دون تبرير زائد، أن تقول هذا خارج نطاق عملي بثقة، كل ذلك علامات نضج مهني. الشخص الذي لا يضع حدودا، غالبا ما يُستنزف، ثم يُلام.
في النهاية، الذكاء المهني ليس مهارة تُدرس في الكتب فقط، بل وعي يتشكل مع التجربة والملاحظة.
هو أن تفهم اللعبة دون أن تفقد قيمك، وأن تنجح دون أن تؤذي، وأن تبني علاقات صحية لا تقيدك ولا تُسقطك.
كن ودوداً، نعم. فالود يفتح الأبواب.
لكن لا تكن صديقا على حساب مهنيتك.
فالذكاء المهني هو أن تعرف أين تقف، ومع من، ولماذا.