رمضان جريدي العنزي
هناك من يستهويهم حب الظهور والبروز على المسرح الاجتماعي مهما كانت النتائج والعواقب والسخرية والاستهزاء، يحاولون بكل الوسائل المكتوبة والمرئية، وبشتى الطرق والأساليب الوصول لهذا الهدف، يريدون أن يكونوا فلاسفة يوزعون الحكم، ومنظرين ينظرون على الناس، وحكماء ينطقون بالحكم، ووعاظ يرشدون الخلق، ومرشدين يدلون على الطريق، وخبراء في كل مجال، وأصحاب رأي لا يرد، ومشورة مغايرة، وناصحين لا يمل من نصائحهم، المهم عندهم أن يكونوا محور الحديث، ومحط الأنظار، وموضع الأعجاب، وأن كانوا خواء، يلهثون وراء الضوء، ويبحثون عن الشهرة بأي ثمن، وبأي شكل ولون، هؤلاء يريدون أن يكونوا كل شيء في آن واحد.
إن هوى النفس الجامح يوقع صاحبه في المطبات الخطيرة، والحفر العميقة، ويسقط شخصيته وحضوره بين الناس، ويتحول من شخصية محترمة، إلى مادة للسخرية والاستهزاء والنكات، أن السبب الجذري لهذا السلوك غالباً ما يكون نقصاً داخلياً عميقاً، وفراغاً في الثقة بالنفس، أو الشعور بالدونية يريدون تعويضه بتصفيق زائف، أو رغبة مرضية في السيطرة على انتباه الآخرين، وفي زمننا هذا سهلت المنصات الرقيمية هذا المرض، إذ تكافئ الخوارزميات المحتوى الصادم والمثير، لا المحتوى العميق أو المفيد، فأصبح الإنسان يلهث وراء «اللايكات» والتعليقات كما يلهث العطشان وراء السراب، والغريق بالقشة.
المفارقة العجيبة أن الجمهور رغم ظاهرة الأعجاب أحياناً يميز بسرعة بين من يقدم قيمة حقيقية، وبين من يتكلف دور الحكيم أو الخبير أو الناصح الأمين لمجرد الظهور فيسخر منه ويصبح نكتة متداولة، فالناس تحترم الصمت المعبر أكثر من الكلام الكثير الفارغ، وتحترم العمق أكثر من السطحية المزيفة، وتحترم الصدق أكثر من الأدعاء، وكما قال أحد الحكماء قديماً «من طلب العلو بسفسطة سقط في الحضيض» وفي عصرنا، نرى هذا يتجسد يومياً، شخصيات كانت ذات وزن وقيمة تغيرت حتى تحولت لأضحوكة بسبب وهن وضعف وركاكة وسخافة إفراطها في الطرح من أجل الظهور والحضور ولفت الانتباه ليس إلا، أن الحضور الحقيقي لا يشترى بالظهور اليومي، ولا يبنى بالكلام الفارغ الكثير، ولا بالتنظير الممل، بل يكتسب بالطرح الجاد، والعمل المميز، والقيمة المضافة التي يشعر بها الناس من تلقاء أنفسهم، أن من أراد أحترام الناس فليكن مرجعاً لهم بصدقه، وعمق معرفته، وحقيقة ذاته، لا بادعاءاته وبإلحاحة وتكرار ظهور من غير سبب ولا قضية ولا هدف ولا مضمون، إن هوى النفس إذا لم يضبط بضابط قوي وشديد، يسقط صاحبه سقوطا لا قيام منه حتى وأن حاول مئات المرات، فالبيت الأنيق المتين أساسه وقواعده متينة ورسمه أنيق، فيا من تطارد الضوء وتحاول الظهور والبروز بأي شكل وطريقة وثمن، أعلم بأن في الصمت كرامة، وفي العمق خلود، وفي الثرثرة، انكسار هيبة، وسقوط سريع.