إبراهيم بن يوسف المالك
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون المشكلة في نقص المعلومات، ولا في غياب البدائل، بل في افتراضٍ شائع وخاطئ: أن الإنسان الذي يتخذ القرار هو ذاته قبل التحوّل وبعده.
هذا الافتراض، الذي تقوم عليه كثير من النماذج الإدارية والاقتصادية، يتجاهل حقيقة بسيطة لكنها مؤثّرة: القرارات لا تُتخذ في فراغ عقلاني، بل داخل عقول بشرية تتأثر بالضغط، والخوف، والتوقعات، والإرهاق، والتحوّل.
في عالم الأعمال والاقتصاد والسياسة، نُدرّب القادة على قراءة الأرقام، وتحليل المخاطر، وتوقّع السيناريوهات. لكننا نادراً ما ندرّبهم على قراءة الحالة النفسية والإدراكية لمن يتخذ القرار، أو لمن سيتأثر به. والنتيجة أن كثيراً من القرارات «الصحيحة نظرياً» تفشل عملياً، ليس لخطأ في الحسابات، بل في سوء تقدير الإنسان داخل المنظومة.
الانتقال-سواء كان انتقالاً مهنياً، أو مؤسسياً، أو سياسياً، أو شخصياً- ليس مرحلة حيادية. هو حالة ذهنية معقّدة، تتغيّر فيها الأولويات، ويختل فيها ميزان المخاطرة، ويصبح الضغط الخارجي مضاعفاً بسبب ضغط داخلي غير مرئي. ومع ذلك، نتعامل مع هذه الحالة وكأنها لا تستحق نموذجاً خاصاً للفهم أو الإدارة.
أحد أكثر الأخطاء شيوعاً في بيئات القرار هو الخلط بين الجاهزية المؤسسية والجاهزية الإنسانية. قد تكون المؤسسة جاهزة للإصلاح، وقد تكون السوق مهيأة للتغيير، وقد تكون البيانات داعمة للقرار، لكن الإنسان-القائد أو الموظف أو صانع القرار- قد لا يكون في حالة إدراكية تسمح باتخاذ القرار في توقيته أو شكله الصحيح.
هنا تظهر أهمية البعد النفسي في القيادة، ليس بوصفه تعاطفاً عاطفياً، ولا علاجاً نفسياً، بل بوصفه كفاءة قيادية أساسية. القائد الفعَّال لا يفهم فقط الجانب النفسي لموظفيه، بل يفهم أيضاً الحالة النفسية لرؤسائه، ولمحيط صانع القرار السياسي والاقتصادي. لأنه يدرك أن القرار لا يُتخذ بمعزل عن الخوف من الفشل، أو ضغط التوقعات، أو إرهاق المرحلة.
في هذا السياق، تُساء قراءة العودة إلى العمل، أو التريّث في إطلاق مشروع، أو اختيار إطار مؤسسي على حساب عمل مستقل، بوصفها تراجعاً أو فقداناً للجرأة. بينما في الحقيقة، قد تكون هذه الخيارات قرارات استقرار لا قرارات تنازل. فالوظيفة، في بعض المراحل، ليست مصدراً للدخل فقط، بل إطاراً نفسياً واجتماعياً يحمي الإنسان من الفراغ، ويمنحه إيقاعاً يومياً، ويخفف الحمل الذهني في مرحلة انتقالية.
التريّث، في بيئات معقّدة، ليس ضعفاً. هو أحياناً أعلى أشكال إدارة المخاطر. والقرار المؤجّل، حين يكون نابعاً من فهم دقيق للحالة الإدراكية، قد يكون أكثر نضجاً من قرار سريع يُتخذ تحت ضغط «الجاهزية الظاهرية».
تاريخ القرارات الاقتصادية والسياسية مليء بأمثلة لسياسات فشلت رغم سلامة منطقها، وإصلاحات تعطَّلت رغم صحة أهدافها. وفي كثير من هذه الحالات، لم يكن الخلل في التصميم، بل في تجاهل العامل النفسي لمن يقود التغيير ومن يعيشه.
القيادة الحديثة، إذا أرادت أن تكون فعَّالة في عالم متسارع ومعقَّد، تحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم «العقلانية». فالعقلانية ليست إقصاء المشاعر، بل فهم أثرها. وليست تجاهل الحالة النفسية، بل إدارتها ضمن إطار القرار.
ربما آن الأوان لأن نعترف بأن القرارات المصيرية لا تُتخذ فقط في لحظات الاستقرار، بل غالباً في لحظات الانتقال. وأن من لا يفهم طبيعة هذه اللحظات، سيظل يفسِّر الفشل بلغة الأرقام، بينما سببه الحقيقي كامن في الإنسان.