فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود
فنزويلا تعرفت عليها من قرب وأنا أقوم ببحثي في عام 1974م، عندما كنت مشاركا في (معهد بكتل) تحت مظلة تخصص في القيم والتكنولوجيا والمجتمع بـ(جامعة ستانفورد) وما شجعني على ذلك أني كنت عائداً لتوي من المملكة العربية السعودية؛ حيث كنت أعمل بوظيفة وقتية على الخطة الخمسية الثانية مع (معهد ستانفورد للأبحاث SRI) الذي كان يعمل بصفة استشارية لمركز الأبحاث والتنمية الصناعية التابع لوزارة التجارة والصناعة، المركز المؤسس كما أسميه بدوره ومسؤوليته ومسؤوليه.
فنزويلا كانت من أهم الدول المعتمدة والمصدرة للبترول؛ حيث كانت من أغنى دول أمريكا الجنوبية، وأهم الدول الجاذبة للعمالة الأجنبية آنذاك، هذا ما جذبني لدراسة الحالة الفنزويلية لتشابهها مع بلدي المملكة العربية السعودية.
أكثر ما شدني هي ظاهرة الهجرة الكولومبية، التي ما زالت علاماتها ظاهرة إلى اليوم خصوصاً فيما يسمى (بالشاكس Shakes) المحيطة بالعاصمة (كراكاس Caracus) هذه الظاهرة وما ترتب عليها من تغيرات اجتماعية وبينية كانت العامل الأهم، فهي كانت هاجسي في الدراسة التي عملت عليها. فقد سبق لي في السبعينيات من القرن الميلادي الماضي، أن كتبت مقدمة لأول محاولة حقيقية لرسم الخطى إلى المستقبل، في ورقة ناقشتها في جامعة (ستانفورد) حول الخطة الخمسية الثانية أسميتها (نظرة من الخارج لمتابع من الداخل)، وذلك بعد تجربتي في (مركز الأبحاث والتنمية الصناعية). وكان عملي في هذا المركز التابع لوزارة التجارة والصناعة في المملكة، الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح؛ كونه تجربة ميدانية تزامنت مع بدايات بناء الإستراتيجيات، وتضمنت التعلم من تجارب أرقى مراكز الأبحاث. فقد كان (معهد ستانفورد للأبحاث SRI) في (بالو ألتو) بولاية كاليفورنيا، هو المستشار المسؤول عن وضع خطة التنمية الخمسية الثانية للمملكة.
كان هذا المعهد من أرقى المعاهد آنذاك باعتماده على التقنيات الحديثة في المصنّفات المعلوماتية وفي بناء الإستراتيجيات والتحاليل الروبوتية. وكنا في المركز مسؤولين عن الشق الصناعي، إذ كانت مهمتنا جمع المعلومات الميدانية عن المصانع وتحليلها، كما أن التجربة الأهم في المركز بالنسبة لي كانت التعرف على نخبة من العقول السعودية التي كانت تقود دفته، والتعلم منها. ولا أنسى قول أحد الخبراء عندما رأى تضارب المعلومات بسبب ما يقدمه إداري وملاك المصانع: «إن كل خطة سليمة تعتمد على المعلومة الدقيقة». فعلى الرغم من أن قدرات المعهد كبيرة، إلا أن المعلومة الدقيقة لم تكن متوافرة. ومعروف أن المعلومة الصحيحة تنتج الخطة الصحيحة والعكس صحيح. فالتقنية الحديثة تبنى وفق نوعية المدخلات، والنتائج تعتمد على صحتها.
في تلك المرحلة، وخلال تجربتي في مراكز الأبحاث، كانت لي محاولات للتعبير عن المشاعر وددت صياغتها شعرياً، نشرت بعضها في جريدة الجزيرة، وتستعيدها ذاكرتي اليوم في هذه الكلمات التي تهمس بما كانت عليه نظرتي للأمور آنذاك:
ياخوي خايف من التيار
يجري ويجرف معانينا
ونعيش دنيا بدون خيار
غصب وتضيع مبادينا
حنا بدينا بهم زوار
يساعدوا في ترقينا
واليوم في ديارنا خطار
حنا وهم في مبانينا
واستخدمت في الديار أحرار
عيت تفرط بماضين
ما باعت أقيامها بدولار
ولا هي رضت عن تخلينا
والله يتمم وهو الستار
ما قد كتب صابر فينا
أعود إلى فنزويلا متذكراً زياراتي لها عدة مرات محباً ومثمناً لصداقاتي لأهلها بطيبتهم وكرمهم. كذلك لا أنسى عام 2000م الزيارة التاريخية في معية المغفور له -بإذن الله- خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لحضور قمة أوبك وأحداثها التاريخية. كما أن الاهتمام بفنزويلا كان من أهم الأسباب التي أسهمت وأسست في حياتي مساراً ما زلت أؤمن به، وهو الاستفادة والتعلّم من تجارب الآخرين. اليوم ونحن نرى فنزويلا تعيش أوضاعاً مأساوية ذكَّرتني بمسار ما كانت عليه تلك البلاد، وكيف تحولت، وكيف أصبحت؟!
لا حول ولا قوة إلا بالله هو المقدر وهو بكل شيء عليم.