سالم بن محمد العيدي
في مسيرة الدول العظمى، لا تُقاس المراحل بطول الزمن، بل بعمق التحوّل. فهناك فترات تمرّ بهدوء، وأخرى تعيد صياغة التاريخ وتغيُّر مساره. والمملكة العربية السعودية تعيش اليوم واحدة من أكثر مراحلها حسمًا وثراءً بالمنجزات، مرحلة ارتبطت باسم قائدٍ حمل على عاتقه مسؤولية الانتقال من إدارة الممكن إلى صناعة المستحيل: سمو ولي العهد محمد بن سلمان.
ما قبل التحوّل.. دولة الإمكانات المؤجّلة
قبل انطلاق مسيرة التحوّل الوطني، كانت السعودية دولة ذات ثقل سياسي وديني واقتصادي، تمتلك موارد هائلة ومكانة عالمية، لكنها -كغيرها من الدول الريعية- كانت تواجه تحديات بنيوية: اعتماد كبير على النفط، إجراءات بيروقراطية معقَّدة، بطء في اتخاذ القرار، واقتصاد لا يعكس كامل قدرات الإنسان السعودي.
لم تكن المشكلة في غياب الموارد، بل في كيفية إدارتها، وفي الحاجة إلى رؤية شاملة تعيد ترتيب الأولويات، وتربط بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية، وبين الاستقرار السياسي وجودة الحياة.
الرؤية.. عندما يصبح الطموح سياسة دولة
من هنا جاءت رؤية السعودية 2030 بوصفها وثيقة تحوّل لا تقل في أهميتها عن الدساتير الكبرى. رؤية لم تُكتب لتُعلَّق على الجدران، بل لتُنفَّذ وتُقاس وتُراجع.
أراد ولي العهد أن تنتقل الدولة من ردّة الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن التخطيط القصير المدى إلى الإستراتيجيات بعيدة المدى، ومن اقتصاد أحادي إلى اقتصاد متنوِّع، يقوده الابتكار وتدعمه الكفاءات الوطنية.
الرؤية لم تغيِّر مسار الاقتصاد فقط، بل أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن: دولة تمكّن، تحاسب، وتفتح المجال للمبادرة، ومواطن شريك في التنمية لا متلقٍ لها.
إعادة بناء الدولة.. مؤسسات أقوى وقرار أسرع
واحدة من أبرز سمات المرحلة الحالية هي إعادة هندسة العمل الحكومي.
تم تحديث الأنظمة، ورفع كفاءة الأجهزة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد مؤشرات أداء دقيقة. لم يعد المنصب تشريفًا، بل تكليفًا، ولم يعد التأخير مبررًا، بل إخفاقًا يُحاسَب عليه.
هذا التحول المؤسسي خلق بيئة عمل حكومية أكثر مرونة، وساهم في تسريع الإنجاز، ورفع مستوى الثقة داخليًا وخارجيًا.
الاقتصاد.. من النفط إلى التنوّع والاستدامة
اقتصاديًا، قاد ولي العهد واحدة من أجرأ عمليات التحوّل في تاريخ المنطقة.
ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية، وتنامى الاستثمار المحلي والأجنبي، وبرزت قطاعات جديدة مثل السياحة، والترفيه، والتقنية، والصناعات العسكرية، والخدمات اللوجستية.
لم يعد النفط هو المستقبل الوحيد، بل أحد أعمدته، في دولة تستعد لعقود قادمة بثقة واستدامة.
الإنسان أولًا.. تمكين لا شعارات
في قلب هذا التحوّل، وضع وليّ العهد الإنسان السعودي بوصفه الثروة الحقيقية.
تم تمكين الشباب، وفتح المجال أمام المرأة، وتوسيع فرص التعليم والتدريب، وتحفيز ريادة الأعمال. لم يكن ذلك ترفًا اجتماعيًا، بل خيارًا إستراتيجيًا؛ لأن التنمية الحقيقية لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل بالعقول المؤهلة والإرادة الطموحة.
جودة الحياة.. تنمية تُلمس
لم تعد التنمية مفهومًا نظريًا، بل واقعًا يعيشه المواطن في تفاصيل يومه: مدن تتغيَّر، مرافق تتطوَّر، خيارات ترفيه وثقافة غير مسبوقة، واهتمام متزايد بالبيئة والصحة والرياضة.
هذا التحوّل جعل السعودية وجهة عالمية، لا تُزار للحج والعمرة فقط، بل للعيش والاستثمار والعمل.
السياسة الخارجية.. ثبات المبدأ وواقعية المصالح
على الصعيد السياسي، حافظت المملكة على ثوابتها، وعزّزت مكانتها الدولية.
سياسة خارجية متوازنة، قائمة على احترام السيادة، وحماية الأمن الإقليمي، وبناء الشراكات الإستراتيجية، والتعامل مع العالم بندّية وثقة.
باتت السعودية لاعبًا رئيسيًا في صناعة القرار الدولي، لا مجرد متأثر به.
علاقة القائد بالشعب.. ثقة متبادلة
ما يميِّز وليّ العهد ليس فقط حجم الإنجاز، بل طبيعة العلاقة مع الشعب.
خطاب صريح، قرب من الناس، واستعداد لتحمّل كلفة القرار. هذه الصراحة صنعت ثقة عميقة، وجعلت السعوديين يرون في قيادتهم انعكاسًا لطموحاتهم، لا حاجزًا بينهم وبينها.
حب السعوديين.. ولاء نابع من الفعل
حب السعوديين لولي عهدهم لم يكن وليد عاطفة عابرة، بل نتيجة مسار واضح: رأوا دولتهم أقوى، واقتصادهم أكثر تنوّعًا، ومستقبل أبنائهم أوسع أفقًا.
هو حب القائد الذي لم يعدهم بالمستحيل، بل حقَّق الممكن، ثم رفع سقف الطموح مرة أخرى.
في الختام
إن ما تعيشه المملكة اليوم ليس مرحلة عابرة، بل تأسيس لعصر جديد، تقوده رؤية واضحة، وإرادة سياسية صلبة، وشعب يؤمن بأن وطنه يستحق الأفضل.
ولي العهد محمد بن سلمان لم يكن مجرّد قائد مرحلة، بل مهندس تحوّل، وصانع مستقبل، ورمز لنهضة وطن اختار أن يتقدَّم بثقة، وأن يصنع مكانه بين الدول الكبرى.
هكذا تُكتب قصص الدول العظيمة: قيادة تعرف ماذا تريد، وشعب يثق بمن يقوده، ووطن يسير بثبات نحو المستقبل.